فلسطين بالنسبة إلى الإمام الخميني كانت منذ البداية قضية إسلامية وإنسانية (القسم الثاني)

ID: 87878 | Date: 2026/10/31


يوم القدس؛ صياغة جديدة لقضية عالمية



لعل أوضح رموز هذا النهج هو مبادرة الإمام الخميني إلى تسمية الجمعة الأخيرة من شهر رمضان بـ«يوم القدس العالمي».



ولا ينبغي اختزال أهمية هذه المبادرة في تحديد مناسبة تقويمية أو تنظيم مسيرات فحسب؛ إذ كان يوم القدس، وفق رؤية الإمام، محاولة لتحويل القضية الفلسطينية إلى موضوع دائم في الرأي العام العالمي، وإخراجها من دائرة احتكار الحكومات والمفاوضات الدبلوماسية والتطورات الإقليمية المؤقتة.



وقد أكد الإمام، موضحًا معنى هذا اليوم:



«يوم القدس يوم عالمي، وليس يومًا يختص بالقدس وحدها، بل هو يوم مواجهة المستضعفين للمستكبرين، ويوم دعم الشعوب التي كانت ترزح تحت ضغوط ظلم أمريكا وغيرها».



وفي هذا التعريف، تتجاوز القدس حدودها الجغرافية المحددة لتتحول إلى رمز لمواجهة الظلم والهيمنة. ولهذا، فإن رسالة يوم القدس لا تقتصر على الفلسطينيين أو الشعوب العربية، بل تشمل كل مجتمع يرى في نفسه مسؤولية تجاه مواجهة الظلم والاستبداد. فقبل إطلاق تسمية يوم القدس، لم تكن تُنظَّم مسيرات دعمًا لفلسطين في البلدان الإسلامية غير العربية، وكانت مبادرة الإمام هي التي نقلت الدفاع عن القدس إلى أبعد المناطق في العالم الإسلامي، ومنها جنوب شرق آسيا.



ومن هذا المنظور، فإن من أهم إنجازات الثورة الإسلامية إبقاء القضية الفلسطينية حية على مستوى يتجاوز التطورات اليومية في المنطقة، وتحويلها إلى قضية قادرة على تعبئة الرأي العام في العالم الإسلامي. وقد أتاحت هذه المبادرة، ولا سيما من خلال تكرارها سنويًا، عدم إخراج فلسطين من الذاكرة العامة، حتى في الفترات التي كانت تتصدر فيها قضايا سياسية وأمنية أخرى المشهد الإقليمي.



ردًّا على اقتباس؛ ينبغي قراءة الوثائق في سياقها التاريخي



في مقابل هذه المجموعة من المواقف، تحدث جواد إطاعت عن اقتباس آخر من الإمام الخميني، زاعمًا أنه قدّم فيه فلسطين باعتبارها قضية عربية لا علاقة لها بإيران، وهو اقتباس غير موثوق.



وفي المقابل، فإن ما تكشفه الوثائق المتاحة بوضوح هو استمرار موقف الإمام من فلسطين؛ بدءًا من اعتراضه على تعاون الشاه مع إسرائيل وبيع النفط الإيراني لهذا الكيان، مرورًا بدعوته الحكومات الإسلامية إلى توظيف إمكاناتها الاقتصادية، وتأكيده ضرورة وحدة المسلمين، وصولًا إلى إعلان يوم القدس العالمي.



وقد طرح الإمام الخميني، في حديث شهير، تساؤلًا بشأن عجز الحكومات والشعوب الإسلامية أمام إسرائيل، قائلاً:



«هناك أمر يشكل لغزًا بالنسبة إليّ، وهو أن جميع الحكومات الإسلامية وشعوب العالم الإسلامي تعرف ماهية هذا الألم، وتعلم أن أيادي الأجانب تعمل على تفريقهم، وترى أن هذا التفرق يؤدي إلى ضعفهم وزوالهم، وترى أن دولة إسرائيل الهشة تقف في مواجهة المسلمين، مع أنه لو كان المسلمون متحدين، وألقى كل واحد منهم دلوًا من الماء على إسرائيل، لجرفها السيل؛ ومع ذلك، فإنهم يقفون عاجزين أمامها».



إن هذا الكلام يشير بوضوح إلى قضية تتجاوز مجرد نزاع عربي. فالإمام يتحدث عن «الحكومات الإسلامية» و«شعوب العالم الإسلامي»، ويرى أن الضعف أمام إسرائيل هو نتيجة التفرقة فيما بينها. وهذه الرؤية لا تحصر مسؤولية مواجهة الاحتلال ودعم فلسطين في الحدود القومية والجغرافية.



فلسطين في المنظومة الفكرية للإمام؛ من موقف سياسي إلى مبدأ راسخ



ليس النقاش هنا حول ضرورة قبول كل موقف للإمام الخميني بشأن فلسطين دون دراسة، أو اعتبار كل اقتباس مخالف غير موثوق مسبقًا؛ بل يتمحور حول المنهج الصحيح في التعامل مع التاريخ، إذ ينبغي دراسة الوثائق مجتمعة، وفي سياقها التاريخي، مع مراعاة استمرارية المواقف أو تغيرها.



فعندما تكون معارضة دعم الشاه لإسرائيل أحد الأسباب التي أعلنها الإمام لمواجهة نظام البهلوي، وعندما يطالب عام 1973 الحكومات الإسلامية الغنية بالنفط بوقف بيع النفط للدول الداعمة لإسرائيل، وعندما يربط حل القضية الفلسطينية بوحدة الشعوب الإسلامية، وعندما يصف يوم القدس بأنه يوم عالمي لمواجهة المستكبرين، فإننا نكون أمام مجموعة من المواقف التي لا يمكن اختزالها في خلاف عربي فحسب.



إن أهمية مواقف الإمام التاريخية لا تكمن فقط في إطلاق الشعارات المناهضة لإسرائيل، بل في السعي إلى تغيير موقع القضية الفلسطينية في الرأي العام العالمي، وتحويلها إلى قضية تتجاوز الحدود العربية.



إن أهمية فلسطين في فكر الإمام، إلى جانب كونها تتعلق باحتلال جزء من الأرض المقدسة للمسلمين، تكمن في كونها قضية ترتبط بمصير أناس احتُلت أرضهم وانتهكت حقوقهم، وأُقيم مكانها ذلك الكيان السرطاني الذي يشكل سببًا لمشكلات المنطقة والعالم. وهذا التصور، وإن كان يحتل مكانة خاصة في العالم الإسلامي، فإنه لا يقتصر عليه، بل هو قضية إنسانية يتحمل جميع الأحرار في العالم مسؤوليتهم تجاهها.


-----------


القسم العربي، الشؤون الدولیة.