الوحدة من وجهة نظر الإمام الخميني

الوحدة من وجهة نظر الإمام الخميني

 المقدمة

كثيراً ما كان الإمام الخميني (قدس سره) يؤكد على الضرورة العقلية والشرعية للوحدة والتضامن بين المسلمين والمجتمعات الإسلامية . هذا في وقت تعتبر التفرقة والتشتت من أبرز عوامل انحطاط المجتمعات وضعفها وتخلفها وهزيمتها. وهو أمر يمكن البرهنة عليه سواء على الصعيد التاريخي أو النظري.

وفي عصرنا الحاضر شهد العالم الإسلامي العديد من الاختلافات المدمرة نتيجة لمؤامرات الأجانب وعوامل عديدة أخرى، مما مهّد الأرضية لهجوم الغرب واعداء الأمة الإسلامية. حيث شكّلت الاختلافات والتفرقة تهديداً حقيقياً للعالم الإسلامي ولكل مجتمع من مجتمعاته.

بيد أن ثمة جهود قيمة بذلت خلال القرون الأخيرة على طريق وحدة المسلمين، اضطلع بها مفكرون كبار أمثال السيد جمال الدين الاسد آبادي ومحمد عبده. كما نهض رجال كبار في العديد من المجتمعات الإسلامية على خطى هذين الرجلين، رافعين نداء (الوحدة)، وبادروا إلى تأسيس (دار التقريب بين المذاهب الإسلامية)، واستطاعوا أن يحققوا انجازات قيمة في هذا المجال.

الإمام الخميني (قدس سره) بصفته مفكراً وفقيهاً كبيراً، وباعتباره قائداً للثورة الإسلامية في إيران، أولى قضية الوحدة وابعادها المختلفة اهتماماً خاصاً، واستطاع أن يخطو خطوات عملية أساسية على طريق تحقيقها بين المجتمعات الإسلامية.

في هذا الصدد يمكن الاشارة إلى تدوين رسالة في هذا الموضوع، و احياء صلاة الجمعة، و اطلاق مسألة البراءة من الكفار و المشركين في مراسم الحج، و الاعلان عن اليوم العالمي للقدس و اسبوع الوحدة الاسلامية في ذكرى ولادة النبي الاكرم محمد (ص).

ومن هنا فان الامام الخميني(قدس سره) وفي معرض تطرقه الى مفهوم الوحدة ضمن اشارته الى الآية الشريفة(واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا)[آل عمران:103]، يطلق على الوحدة والاتحاد مفهوم الاجتماع والكون معا في امر واحد[1].

من وجهة نظر الإمام الخميني، الاجتماع والاتحاد المطلوب هو الذي يتشكل حول محور الاعتصام بحبل الله. إذ أن سماحته كثيراً ما كان يؤكد على الوحدة المقرونة بالاعتصام بالحبل الإلهي استناداً إلى الآية الكريمة المذكورة اعلاه. فمِمّا تطرق به:

لقد امر الله تبارك وتعالى بالاجتماع والاعتصام بحبل الله: ((واعتصموا بحبل الله)).. أمر بالاجتماع والتمسك بحبل الله. إذ أن ليس كل اجتماع مطلوباً، الاعتصام بحبل الله هو المطلوب. وهو ذات الأمر بالنسبة ((إقرأ باسم ربك)).. اسم الرب هو هذا الحبل الذي يجب على الجميع ان يعتصموا به، أدعوا الناس إلى الوحدة، ادعوهم لئلا يتشتتوا فئات وجماعات.[2]

إنّ الإمام الخميني يؤكد، استناداً إلى آية الاخوة «إنما المؤمنون أخوة» ، على أن السبيل لتحقيق الاستقلال والتحرر من التبعية الاجنبية يتمثل في تحقق مثل هذه الأخوة.. كما أن صيانة الثورة واستمراريتها رهن عهد الأخوة أو الوحدة الحقيقية المبنية على الألفة والمودة بين أبناء المجتمع، ويعد ذلك بحد ذاته تكليفاً دينياً وشرعياً:
إن هؤلاء الذين تغير كل شيء لديهم، ويرون من واجب كافة فئات الشعب الذود عن الإسلام وصيانته، تقع على عاتقهم مسؤولية الحفاظ على الجمهورية الإسلامية. ويعد هذا التكليف من أعظم التكاليف في الإسلام، ولا يتحقق ذلك إلا في ظل التفاهم والتآخي بين أبناء الشعب جميعاً. إذ ان (المؤمنون أخوة)، فإذا ما تمت صيانة الأخوة الإيمانية في مختلف انحاء البلاد وأضحى كل فرد لا يهتم بأموره الشخصية ويعمل الجميع معاً من أجل الأهداف المشتركة، فلن يجرؤ أحد على التعرض لهذا البلد[3].

وعليه فالأخوة تعني في الأصل غض الطرف عن المصالح الشخصية من أجل المصلحة العامة. وما لم يتخل الإنسان عن مصالحه الشخصية ويذوب في المجتمع ويحرص على المصلحة العامة، لن تجد الاخوة والوحدة معناهما الحقيقي.

في هذا الصدد يقول الإمام الخميني:

إن مثل هذه الاخوة إنما هي تجسيد لإحدى الصفات التي نعتنا بها القرآن الكريم.. فلابد للمسلمين والمؤمنين التواصل بنوايا أخوية حسنة، وأن مثل هذا موجود ولله الحمد.. لابد لنا من الحفاظ على هذه النعمة الإلهية، إذ أن الله تعالى عدّها نعمة – وهي من أكبر النعم -. فلابد لنا من صيانة هذه النعمة. وطالما حافظنا على هذه النعمة الإلهية فاننا في مأمن من جميع الشياطين. وإذا ما فقدنا – لا سمح الله – يوماً هذه النعمة سوف تتضرر بلدنا حينئذ.[4]

الوحدة شرط تداوم الرحمة وتحقق السعادة الأبدية

الوحدة والاتحاد مدعاة لنـزول الرحمة الإلهية واستمرارها، ومفتاح الجنة والسعادة الأخروية. ففي ظل الوحدة تفيض الرحمة، ومع الاختلاف والفرقة تغلق باب الرحمة. وفي هذا الصدد يقول الإمام الخميني(قدس سره):

بما أن يد الله دخيلة في هذا الأمر، لذا لابد لكم ولنا والجميع من العمل بنحو لئلا يغلق باب الرحمة وترفع هذه اليد عن رؤوسنا. فحتى الآن كنّا معاً ويد الله مع الجماعة. كان الجميع يعمل من أجل الله، وقد أحاطنا الله تبارك وتعالى بعنايته. ومن الآن فصاعداً ينبغي أيضاً أن نتخلى ولو مؤقتاً عن همومنا الشخصية..[5]

ومثلما تتبع الوحدة الرحمة والأمن والاستقرار والأهم من كل ذلك صلاح المجتمع وسعادته. كذلك يُوجِد الاختلاف والفرقة مختلف أنواع الفساد.قال سماحته:

... كونوا متكاتفين ومتعاضدين ولا تتفرقوا، لأن الفرقة مصدر كل المفاسد. كما أن التمسك بالله منشأ الصلاح والسعادات كلها.[6]

في ضوء كل ذلك ندرك بأن المنافع الشخصية تحل محل المصلحة العامة ومصالح الشريعة في ظل الاختلاف والفرقة. وتتباين المنافع الشخصية من فرد لآخر وفئة لأخرى. ومن الطبيعي أن ينشب النـزاع والفساد وترتكب الجرائم من أجل الاستحواذ على أكبر حجم من المنافع. في حين أنه في ظل الوحدة يكرس الاهتمام بالمصلحة العامة باعتبارها مصلحة الجميع أو المصلحة الشرعية أو كلاهما، وعندها لن يبقى مبرر للفساد والجريمة والهزيمة والتقاعس والتهاون:

إذا ما كانت الاخوة محور الاهتمام فيما بيننا فسوف يتحقق الانسجام. ولو عمل المسلمون في مختلف انحاء الأقطار الإسلامية بهذا الأمر الإلهي، حيث سنّ الله عهد الأخوة فيما بينهم، لما عانوا من الضعف والوهن، ولما وجدت لهم كل هذه الآلام[7].

والأهم من كل ذلك أن سماحة الإمام كان يعتبر الجنة والسعادة حصيلة الوحدة والاتحاد والتضامن بين المؤمنين والاخوة المقرونة بالاعتصام بحبل الله. وكان يوجّه خطابه إلى المؤمنين مستلهماً آية الأخوة:
... حاولوا التأمل في هذه الآية.. اعتصموا بحبل الله جميعاً.. كونوا أخوة كي تكونوا أخوة في الجنة أيضاً على سرر متقابلة. فإن لم تكونوا أخوة هنا فليس من المعلوم أن تكون الجنة نصيبكم هناك.[8]

الحكومة وسيلة لتحقق الوحدة

مثّلت الحكومة الإسلامية أحد أبرز الموضوعات التي حظيت باهتمام الإمام الخميني وكرس لها جانباً كبيراً من نشاطه الفكري والعملي، وسعى إلى تحقيقه مع انتصار الثورة الإسلامية.

طبعاً الحكومة من وجهة نظر الإمام الخميني ليست أكثر من مؤسسة اجرائية ووسيلة تنفيذية ولا تعتبر هدفاً بحد ذاتها. وهذا يعني أن الدافع لتحقيقها يكمن في تحقق أهدافها السامية. ولعلّ من أبرز هذه الأهداف: تحقيق القسط والعدل في المجتمع، وتطبيق القوانين والنظم الإسلامية، وصيانة وحدة المجتمع والأمة الإسلامية. وفي هذا الصدد توضح الصديقة الزهراء (ع) في خطبتها الشهيرة: (الإمامة من أجل حفظ النظام وإرساء الاتحاد بين المسلمين بدلاً من الفرقة والتشتت).

ويرى الإمام الخميني بأن تحقق الجمهورية الإسلامية (بصفتها حكومة لائقة ومنشودة) كان حصيلة وحدة الشعب الإيراني واتحاده.. ففي الحقيقة كانت الوحدة بمثابة عامل أساسي في تشكيل الحكومة. فيما شكلت الحكومة عنصراً ضرورياً لصيانة الوحدة. فالاثنان متلازمان.. حكومة العدل الإلهي وليدة الاعتصام بحبل الله وعاملاً في صيانة هذا الاعتصام ودوامه. وعلى حد قول الإمام الخميني أن الوحدة ضرورية لصيانة النظام، والحكومة لازمة لتحقق الوحدة.

 

ضرورة الحفاظ على الوحدة بين المسلمين
لقد كان للامام الخميني (قدس سره) مواقف مشرفة بالنسبة لوحدة المسلمين على كافة مذاهبهم وقومياتهم، لأن ذلك سرّ انتصار الاسلام وصموده بوجه الهجمة الاستعمارية التي مازال يتعرض لها. فيما يلي مقاطع مما قاله سماحته في ذلك، نقلاً عن مجلة الثقافة الاسلامية:

-          لقد دعوت الدول الإسلامية مراراً إلى الأُخوّة والاتحاد في مواجهة الأجانب وعملائهم الذين يريدون إيجاد النفاق بين المسلمين والحكومات الإسلامية، وإبقاء دولنا الإسلامية العزيزة تحت الأسر والذل الاستعماري ليستفيدوا من امكاناتها المادية والمعنوية.[9]

-          لو أن رؤساء الدول الإسلامية يتخلّون عن خلافاتهم الداخلية ويتعرّفون على الأهداف العالية للإسلام ويميلون إلى الإسلام فإنهم لن يصبحوا أسرى وأذلاء للاستعمار[10].

-          بحكم الإسلام يجب أن يكون المسلمون يداً واحدة ليستطيعوا قطع يد الأجانب والمستعمرين عن التدخل في أوطانهم[11].
     ومما قاله آية الله هاشمي رفسنجاني في هذا الصدد:

-          ان المسلمين احوج ما يكونوا اليوم للوحدة وان إثارة الفرقة والشقاق بين المسلمين يمثل خطا كبيرا وجهلا سياسيا.

-          حينما تتجاوز القوى الكبرى الاعراف الدبلوماسية وتسحق القوانين الانسانية لتقدم الدعم للكيان الغاصب وتعمل على مساعدته، فان اذكاء نار الخلافات الدينية و الطائفية في العالم الاسلامي يعد جهلا سياسيا.

-          ان المشكلة الرئيسية التي يعاني منها العالم الاسلامي تتجسد في التطرف المذهبي الذي يمارسه البعض ظنا منهم بان ذلك يخدم الاسلام.

-          ان سياسة الجمهورية الاسلامية في ايران قائمة على الدفاع عن جميع المذاهب والاديان ولذلك فنحن نعتبر التوجهات الانتقائية عملا استفزازيا ومثيرا للخلافات.

-          واضاف آية الله هاشمي رفسنجاني لدى استقباله عددا من الشخصيات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية من اهل السنة من كافة المدن الايرانية "إن مطالبكم لا تتنافى مع المبادئ الشيعية والوطنية ونحن جميعا نفكر في عزة وكرامة الاسلام لكن البعض يعمل على اذكاء نار الخلافات المذهبية". [12]



[1] صحيفة الامام، الطبعة الفارسية، ج 9 ص 131.

[2] نفس المصدر، ج 8 ص 334.

[3] نفس المصدر، ج 17 ص 435.

[4] نفس المصدر، ج 16ص 173.

[5] نفس المصدر،ج 8ص 77.

[6] نفس المصدر، ج8 ص316.

[7]  نفس المصدر، ج 11 ص 491.

[8] نفس المصدر، ج 15 ص 476

[9] مجلة الثقافة الاسلامية، 29 /صفر/ 1387 هـ.ق.

[10] نفس المصدر، 1/ ذي الحجة/ 1390 هـ.ق.

[11] نفس المصدر، 4/ ذي القعدة/ 1391 هـ.ق.

[12] http://www.alalam.ir/news/1620360

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء