القضاء على الفساد الحكومي والظلم والإخلال الخُلقي والاجتماعي

القضاء على الفساد الحكومي والظلم والإخلال الخُلقي والاجتماعي

انطلقت ثورة الجماهير ثورة الجماهير بمبادئها المعنوية الثابتة لتحمل للعالم هوية إسلامية صادقة، ونهجاً واضحاً أضحى مناراً لكل المتطلعين للتحرر والانعتاق من العبودية.

عندما تناول سيرة الإمام الخميني الراحل، تتزاحم الخواطر والأفكار في ذهن المرء، فلا يعلم من أين يبدأ الحديث عن قائد عظيم، قلب موازين السياسة الاستكبارية، ومنح لكفاح الشعوب المضطهدة زخماً جديداً وثقة كبيرة بالنصر.. ممّا أربك الخصوم والأعداء، وأعجز الطغاة وقوى الاستكبار العالمي، فراحوا يتخبطون في سياساتهم الماكرة، ويعيدون حساباتهم الخاسرة.
وفي حياة الإمام(قدس سرّه) الذي رحل بجسمه، وخُلّد في مواقفه وأعماله وسيرته الثرّة، أكثر من محطة تقتضي التأمّل عندها لاكتشاف عمق السيرة العطرة والمضامين المعبّرة التي تشكلت منها مفردات السلوك القويم للإمام الراحل لتصبح فيما بعد بُعداً منقطع النظير من السلوك الإنساني المتميز، خُلقاً وفقهاً وجهاداً.
لقد وجه الإمام صفعة قوية للطغاة والمتجبرين، وضربة موجعة لقوى التسلط العالمي التي أقامتها ولم تقعدها الى الآن، حيث تداعت قوى البغي والفساد أمام صرخات الشعب الإيراني الثائر، علت كلمة الحق وانتصرت الثورة، وأتى وعد الله:{وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ}(القصص/5).
وانطلقت ثورة الجماهير ثورة الجماهير بمبادئها المعنوية الثابتة لتحمل للعالم هوية إسلامية صادقة، ونهجاً واضحاً أضحى مناراً لكل المتطلعين للتحرر والانعتاق من العبودية.
ثورة إسلامية معطاءة، لها أهداف إصلاحية عديدة، أبرزها:
القضاء على الفساد الحكومي والظلم والإخلال الخُلقي والاجتماعي.
إبراز هوية الإسلام في الحكم والعمل والثقافة والقيم السائدة في المجتمع.
إنهاء  عزلة إيران عن العالمين العربي والإسلامي.
إبعاد الهيمنة الاستعمارية الصهيونية عن الحكم والوطن والسياسية.
العمل على تحقق الوحدة الإسلامية، ودعم حركات التحرر، والعمل على تحرير الأراضي الفلسطينية المحتلة، وغيرها من الأهداف والمواقف المشرّفة.
ومن أجل تحقيق هذه الأهداف السامية قاد الإمام الخميني شعبه المؤمن والأبيّ، وتوجّه بكل إمكاناته وأحاسيسه الى النفوس العامرة بالإيمان، والى الجماهير المسلمة في كل أرجاء العالم، مخاطباً: أيها المسلمون في كل أنحاء العالم، أيها المستضعفون الرازخون تحت سيطرة الظالمين انهضوا وتعاضدوا متحدين، ودافعوا عن الإسلام وعن مقدراتكم، ولا تهابوا ضجيج الطواغيت، فهذا القرن بإذن الله قرن غلبة المستضعفين على المستكبرين، وغلبة الحق على الباطل.
وانطلاقاً من أهداف الثورة المباركة، ذات الابعاد العالمية والمبادئ الإنسانية التي لا تعرف حدوداً ولا قيوداً، كان صوت الإمام المدوّي ينطلق على لسانه في كل المناسبات ليعلن للعالم أجمع: نحن نشارك جميع المظلومين في العالم آلامهم، ونؤيد جميع المظلومين على وجه المعمورة.
ولهذا دعا الإمام الراحل الى تخصيص أسبوع في كل عام يُعرف (بأسبوع الوحدة الإسلامية) واليوم العالمي لتحرير القدس، والدعوة لتحرير الأراضي المغتصبة. وكانت فلسطين وقضايا التحرر تستحوذ على الجزء الأكبر من وقته وتفكيره كما هي قضايا الأمة الإسلامية بكاملها، ولهذا جاء في وصيته الخالدة: ما يتوجب على الشعب الإيراني، وعلى جميع المسلمين في عصرنا هذا، وفي المستقبل، وما ينبغي أن يهتموا به هو إحباط الدعايات المفرّقة الهدّامة.
وكان يرى ـ عليه الرحمة ـ أن الداء الوبيل الذي يصيب الأمم هو الفرقة التي نهى الله تبارك وتعالى عنها بقوله سبحانه: { وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}(الأنفال/46).
من هنا، كان دستور الثورة الإسلامية ومنهج القائد، هو إرساء قواعد الجمهورية الإسلامية الإيرانية بأسس قوية صالحة وهي (الإسلام والإيمان والعدل) يليها الإصلاح العام وبناء الإنسان، وهذا سرّ من أسرار نجاح الثورة واستمراريتها وشموليتها.
لكل هذه العوامل دعا مفجر الثورة ومرشدها الى صيانتها والحرص على أهدافها النبيلة، وعدم الانبهار بمظاهر الحضارة الغربية الواهية، وعدم الأخذ بقشور المدنيّة الزائفة والمتحللة، والحذر من الغزو الثقافي والإعلامي الهابط كل الحذر، لأن في ذلك هدم للقيم والإنسان والوطن.
وتأتي الثورة الإسلامية بوجهها المشرق حاملة للعالم أهدافها المثلى ومبادئها السامية. وإذا كان ثمة سؤال يُطرح: كيف نجحت هذه الثورة الجماهيرية أمام أكبر قوة عاتية في العصر الحديث؟
إنّ الجواب يكمن في الإيمان المطلق بكل المعايير، ثورة قامت على الحق والإيمان وما جاء به الإسلام، فلابد لها من الانتصار المؤكد، وكيف إذا كان قائد الثورة من طراز فريد من نوعه كالإمام الخميني.. الفقيه المجاهد.. والعابد المتبتل.. والعالم الذي ترك من الآثار العلمية ما يكفي لملء الكثير من المجلدات.. ناهيكم عن زهده وصلابته في الشدائد، وعمق إيمانه، وهو المتمثل لقوله تعالى:{ تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (القصص/83).
وبهذا ضمنت هذه الثورة المباركة استمراريتها، وخلود مفجّرها، وحققت ما لم يحققه إلا القليل من الثورات عبر التاريخ، ولهذا غدت النموذج الأمثل والوجه الحضاري الأفضل.
على العموم، إنّ الثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني لا تشبه أية ثورة قامت من قبل.
فعبر التاريخ الطويل، كانت الثورات تهدف الى تغيير سياسي ما، والثورات الاجتماعية تحرك الفقراء ضد الأثرياء، والثورات الوطنية تقوم ضد مستعمر محتل.
أما الثورة الإسلامية فقد احتوت على كل تلك الدوافع، فعلى الصعيد السياسي وضعت حدّاً لطغيان النظام الملكي البائد، وعلى الصعيد الاجتماعي جهدت على تحرير الجماهير المضطهدة من قبضة المافيا الاقتصادية، وعلى الصعيد الوطني أحيت أقدم وأجمل ثقافة في المنطقة ضدّ تقديس المال والمظاهر الخدّاعة التي حاولت السياسة الاستكبارية الأمريكية فرضها على إيران، لكن الثورة الإسلامية كانت تحمل معان جديدة لم تسقط نظام سياسي أو اجتماعي واستعماري فحسب، بل أكثر من ذلك، فقد أسقطت حضارة ونظرة معينة للحياة والعالم، قامت ضد أوضاع ترمى الى التحكم بعلاقات المجتمع تحت إدارة الولايات المتحدة.
وذلك ما أطلق عليه عبادة وتقديس المال، بينما الشعب الإيراني بقيادة الإمام الخميني، انتصر باسم الإسلام، أي بمبدأ الإيمان الراسخ، ولذلك أثارت الثورة الإسلامية حقد كل من يجّرد حياتنا من معناها، ولا يبقى لها سوى هدف واحد، باسم النمو والتطور، وليس نمو الإنسان ومعانيه، بل نمو ثروة الطواغيت والمترفين على حساب الأكثرية البائسة.
وبعد سبعة عشر عاماً على رحيل الإمام الخميني، وفي ظلّ التغيرات الكثيرة التي طرأت على العالم خلال هذه الفترة، يمكن القول إنّ حملة التشويه التي تعرضت لها الثورة الإسلامية وهي ما لم تتعرض له أية ثورة في العالم على الإطلاق، قدمت دليلاً قوياً على استحالة احتواء الثورة المظفرة، كما حاولت الحرب النفسية المنظمة للغرب، ترويج ذلك لتجريد الثورة من بعدها الحضاري، وإذا كانت الثورة الإسلامية قد اقترنت بالفكر التغييري الأصيل، فإن التلازم بين الثورة وهذا الفكر، هو الذي جعل كثيراً من الدراسات والبحوث التي قام بها الغرب لا تفصل بين الثورة والإمام حتى بعد رحيله الأليم.
فالإمام الخميني الراحل الذي آمن بفكرته الإسلامية الى حد أنه عاش لها، تميز بوعيه العميق للواقع، وقدرته في تشخيص وهنه وعلاجه، من خلال تجديد الفكر الإسلامي، حيث حرّر الإمام المشروع الحضاري الإسلامي من حالة التنظير، وزجّه بوجه التحديات، لأنه (قدس سره) لم يصنع الثورة بالقول، إنما بالفعل، بعد أن أغنى أفكاره بالوعي الذي يمتزج بالواقع، ونزل الى الواقع ليكون مفكراً ميدانياً وقائداً شعبياً، ورمزاً إنسانياً عالمياً، وبمستوى ما يحمل من رسالة حضارية عالمية.
إنّ الخطاب الثوري الذي تبلور عن فكر ووعي الإمام الخميني كان دقيقاً لدرجة أن مسيرة الثورة أثبتت قدرتها على احتواء جميع ردود فعل القوى الاستكبارية التي لم تعوزها الخطط الماكرة والخبيثة، فضلاً عن هيمنتها على الساحة الدولية سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
وأول هذا الخطاب، أنه رفض وبقوة، أية عملية فصل بين الدين والسياسة، لأن هذا الفصل مؤامرة غادرة، خطط لها الاستكبار لإقصاء الإسلام عن الساحة، ولشدة رفض الثورة الإسلامية لهذا الفصل المصطنع بين الدين والسياسة، ثم التركيز على وظيفة الدين الإسلامي الأساسية في إقامة مجتمع صالح يحكم بما أنزل الله، وبموازاة ذلك شدّد الخطاب على محاربة الفكر المستورد، والثقافة التخريبية الوافدة لأنهما عوامل التبعية الرئيسية. وبذلك حطم الإمام الراحل قيود التبعية ووضع العلاج الدقيق لكل المشاكل والتساؤلات المطروحة.
وكان الخطاب الإسلامي للإمام الخميني تضمن كل الشروط القادرة على استحداث الوعي الجديد باتجاه الصحوة الإسلامية، وسمة الثورية في هذا الخطاب هي التي أوجدت هذا الانشداد الواسع بالثورة وقيادتها الحكيمة، وبتجاوز الثورة للعقبات الكثيرة والصعبة، واستمرارها في حمل رسالتها بأمانة، يكون الإمام الخميني قد قدم الحل المطابق لأمال الأمة، ولهذا كانت الثورة وما تزال لكل المستضعفين في الأرض.



ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء