النظرة إلى الأديان المعاصرة

النظرة إلى الأديان المعاصرة

إنّ المنهج الإلهي الذي جاء به الأنبياء منهج ثابت في مفاهيمه وقيمه وموازينه، ولكنّ الناس يبتعدون أو يقتربون منه، فيخطئون ويصيبون في تقييم ومراعاة لمفاهيمه و قيمه و موازينه، و حينما يحدث الخطأ فينبغي أن يوصف الخاطئ بالوصف المناسب له؛ لكي يتمّ تشخيص الصحيح من الخطأ في فهم النظرية والتصوّر المبتني من قبل الناس، ولا يصحّ تبرير الأخطاء؛ لأنّ التبرير يشوّه المنهج و يحرفه عن ثوابته. وفي خضمّ تقييم الأديان الحالية أشار الامام الخميني (قدس سره) إلى جملة من الحقائق:

تحريف الأديان

يرى الامام الخميني (قدس سره): أنّ الأديان قد تعرضت للتحريف والتزييف، وأنّ الموجود منها لا يمثّل ثوابتها التي جاء بها الأنبياء، فقد طرأ التحريف و التزييف على أغلب المفاهيم و القيم السائدة في حينها.

قال (قدس سره): "قد يتوهّم الاخوة المحترمون: أنّ الدين الذي جاء به عيسى(ع) هو هذا الموجود حالياً، لاشكّ أنّه كان صحيحاً في زمانه، غير أنّ هذا الدي نراه اليوم بعضه من دين عيسى(ع)، وبعضه من أحكام المسيح"[1].

وحينما يقارن بين الاسلام و بين الاديان الحالية يرى: بأنّ الاسلام لايختلف عنها حين ظهورها، وإنّما يختلف عنها بعد تحريفها و تزييفها، فيقول: " فالإسلام يختلف عن باقي الاديان المعروفة حالياً، (لعلّها كانت كالإسلام وقت ظهورها)، إلّا أنّ الموجود حالياً منها – وخصوصاً المسيحية – لا تملك سوى بضعة كلمات وعظيّة دون أن يكون لديها برنامج فيما يتعلّق بالسياسة أو إدارة المدن و الإقاليم"[2].

وقال أيضاً: " والكلّ مطّلع على هذا الإنجيل المزيّف، فهو ليس بالإنجيل الصحيح"[3].

ويرى (قدس سره): أنّ كثيراً من المقولات هي من وضع القساوسة، وفي ذلك قال (قدس سره): " الإسلام يخالف المسيحية التي تؤكد على العزلة و الزهد في الدنيا. إنّ كثيراً من المقولات لا تمت إلى المسيح بأيّة صلة، إنّما هي من وضع القساوسة الذين افتروا عليه ونسبوها اليه، فكيف يمكن للمسيح (ع) أن يربّي قومه على مقولات خاطئة"[4].

فالمقولات الخاطئة لا تمت إلى الدين المسيح بصلة، ولاتمت إلى تعاليم عيسى (ع) بصلة؛ لأنّه رسول مرسل من قبل الله سبحانه وتعالى، فلا يطرأ على فكره و قوله الخطأ، وكل الخطأ هو من وضع المدّعين بالسيرعلى نهجه.

وقال (قدس سره): " الاسلام ليس مثل الرهبانية المسيحية، وبالطبع فقد حرّفوا دين المسيح، وإلّا فهو لم يحصر اهتمامه بالمعنويات فقط. كما أنّه ليس مثل دين موسى الذي يطغى فيه الاهتمام بالجانب الطبيعي المادّي للانسان، وبالطبع فانّ موسى (ع) من الانبياء العظام و من اولى العزم وكان انساناً كاملاً، وشرعته جاءت بما يحتاجه الانسان، ولكن كتابه مثل كتاب عيسى (ع) قد اندرسا، والموجود منها الآن يدلّ متنها على أنّهما ليستا التوراة الأصلية و لا الإنجيل الأصلي"[5].

التمييز بين الشعوب و التيّارات المنحرفة

ميّز الامام الخميني (قدس سره) بين الشعوب والديانات و بين التيّارات والحكومات المنحرفة التي تدّعي الانتماء إلى هذه الديانات، أو تدّعي الانتماء إلى هذا النبي أو ذاك، ولهذا لا يحمّل الشعوب و الديانات أخطاء المتصدين لقيادتها أو حكمها، ويرى: أنّ المواجهة مع التيارات و الحكومات المنحرفة و الجائرة ليست موجهة إلى شعبها أو دياناته.

قال الامام (قدس سره): "ينبغي علينا أوّلاً أن نميّز بين الشعب الامريكي و الحكومة الامريكية، فنحن لا نقف مطلقاً في مواجهة الشعب الامريكي... فالشعب الامريكي لم يسيء الينا، وعلى الشعب الامريكي أن يتفهّم هذا الأمر، فلو تفهّمه لكان معنا؛ حسب ما يمليه عليه ضميره الإنساني"[6].

وقال ايضاً: "إنّه لا يوجد ثمّة خلاف و لا نزاع لنا مطلقاً مع الشعب الأمريكي، فهو لدينا كسائر الشعوب، ونحن مع كافّة الشعوب في تحقيق السلام.

وفيما يخصّ الشعوب فإنّه لا خلاف لشعبنا أبداً مع أيّ شعب آخر، ولاحتى مع الشعب الامريكي، وأنّهم لم يرتكبوا معنا ظلماً حتي تنازعهم"[7].

ويرى أنّ أخطاء التيّارات الحاكمة قد انعكست على الدين الذي تدّعي الانتماء اليه، فتشوّهت سمعته و سمعة السيّد المسيح(ع)، ويدعو (قدس سره) إلى إنقاذ المسيحية من هذا التشويه، بالفصل بين الحكومات و المسيحية التي يدّعون الانتماء لها.

قال (قدس سره): "إنّي أخاطبكم، يا علماء الدين المسيحيين، ومنكم إلى الشعب الامريكي، وإلى رجال الدين المسيحي في أمريكا، واناشد رجال الدين المسيحي – في كلّ العالم – البحث عن المظلومين، وكذلك عن السيّد المسيح و الدين المسيح. لقد أصبح الدين المسيحي و السيّد المسيح عرضة للاتهام، فابحثوا عن هذا الدين. كما أنّ البابا نفسه في معرض الاتهام، فابحثوا عن عيسى المسيح، وابحثوا عن الامة المسيحية، وابحثوا عن المسيحية، ولا تدعوها عرضة للتشوّه في أنظار العالم"[8].

ويميؤ الامام الخميني (قدس سره) بين اليهود و الصهيونية، فاليهود شعب منعزل عن الصهيونية، وليسوا مسؤولين عن جرائمها.

قال (قدس سره): " نحن ننظر إلى اليهود بمعزل عن الصهاينة، وفيما لو انتصر المسلمون علىى الصهاينة فانّهم لا شأن لهم مع اليهود، حيث سيعاملون كسائر الشعوب الاخرى، ويحقّ لهم التمتّع بالحياة الطبيعية، ولا يتعرّض لهم أيّ أحد"[9].

ويضع الامام (قدس سره) قاعدة كلّية في التمييز بين اليهود و الصهاينة أو دولة إسرائيل، فاليهود – كالنصارى و كالزرادشت – محترمون، بما فيهم اليهود الذين خرجوا من ايران وذهبوا الى اسرائيل.

قال (قدس سره): " الدعايات الاعلامية كثيرة، و هي ترتبط بامور مختلفة... ومن هذه الدعايات التي يروّجونها في إعلامهم هي المتعلقة بالأقليات الدينية؛ اذ يقولون: انّ الحكومة الاسلامية اذا اقيمت فستفعل كذا وكذا باليهود والنصارى والزرادشت (المجوس)، وسترتكب المذابح الجماعية ضدّهم و أمثال ذلك، وهذا ادّعاء خاطئ جداً. اذا اقيم الحكم الاسلامي – ان شاء الله – واستقرّت حكومة عادلة – بمشيئة الله – فإنّنا سندعو حتى اليهود الايرانيين المخدوعين الذين خرجوا من ايران وذهبوا الى اسرائيل... سندعوهم الى العودة الى وطنهم ايران، وستعاملهم الحكومة الاسلامية بافضل صورة؛ لأنّ الاسلام لايريد العسر لاحدٍ من بني الانسان، واحكامه تحترم جميع الفئات البشرية. وبالطبع ثمّة حالات استثنائية فيه ترتبط بمثيري الفتن والمخرّبين الذين لايوجد من يقرّ التسامح في التعامل معهم. أما أمثال اليهود وسائر أهل الكتاب من النصارى والمجوس فهم من أهل الذمة الذين يعيشون في ظل الدولة الاسلامية برفاهية واحترام"[10]

المصدر: اُسس العلاقات وحقوق غير المسلمين في منهج الامام الخميني (قدس سره)، ص56، سعيد كاظم العذاري، الطبعة الاولى، موسسة العروج ، طهران 1430هـ.ق .

 



[1]  الكوثر 239:1.

[2]  الكوثر 285:1.

[3]  الكوثر 290:1.

[4]  الكوثر 74:2.

[5]  الكوثر 256:2.

[6]  أمريكا في فكر الامام الخميني :25.

[7]  أمريكا في فكر الامام الخميني :26.

[8]  أمريكا في فكر الامام الخميني :326.

[9]  الامام القائد في مواجهة الصهيونية :45.

[10]  الكوثر 307:3.

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء