ماذا قال الامام الخمینی قبل 53 عاما عن الکیان الصهیونی؟

ماذا قال الامام الخمینی قبل 53 عاما عن الکیان الصهیونی؟

إننا نقول: لو عمل جميع المسلمين بأحكام الاسلام لعزّوا .. أمة الاسلام عزيزة علينا كلّ شعب منها، سواء الترك والعرب والعجم والأفارقة والأمريكيون، وحيثما كانوا .. نحن ندعوكم الى التعاضد، ونطالبكم بتشكيل جبهة واحدة.

التاريخ: 18 شهريور 1343 هـ. ش/ 2 جمادى الثانية 1384 هـ. ق‏
المكان: مدينة قم، المسجد الاعظم‏
المناسبة: بدء الدروس الحوزوية
الحضور: علماء الدين وطلبة العلوم الدينية وجمع من كسبة واهالي قم‏

بسم الله الرحمن الرحيم‏

إنا لله وإنا اليه راجعون‏

اللهم احفظ لساننا من القول الباطل واللغو والكذب، اللهم نَوَّر قلوبَنا بنور الاسلام والروحانية، اللهم تفضّل بآذان مصغية على ملوك الدول الاسلامية ورؤساء الجمهوريات وممثلي المجلسين ورؤساء الوزارات والوزراء ورؤساء الجامعات وأصحاب الأعمال والموظفين فيها، اللهم اجعلهم من (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه)!
إنني آسف جداً على أوضاع الدول الاسلامية العامة، ولاسيما أوضاع ايران، فقد غدت الحكومات الاسلامية بتأثير الاستعمار في غفلة من أهداف الدين الاسلامي، ولا تريد أن تعلم بما جاء به الاسلام للبشر وأين سيصل أبناء البشر إذا ما اتبعوا الاسلام؟ فالدول المستعمرة تسعى الى خداع البلاد الاسلامية بمختلف الحيل، فتثير الخلافات أحياناً باسم الشيعة والسنة، حتى إن غير المسلمين في الشرق خدعوا، إذ يقال: إنهم يجلبون في الهند عدداً كبيراً من الأبقار المقدسة لدى الهندوس في أيام مثل عيد الأضحى ويبيعونها على المسلمين وطوائف الهنود ويحدث الاضطراب، ليستفيد (المستعمرون) منه ويبتلعوا الشرق! إنهم يقومون بالدعايات حتى ينشغل المسلمون بعضهم ببعض، فيستولون على ثرواتهم! لقد كان المسلمون هم الذين شمل مجدهم العالم، وكانت حضارتهم فوق الحضارات ومعنوياتهم أسمى من جميع المعنويات، وكان رجالهم أبرز الرجال، وتجاوزت مساحة بلدانهم مساحة جميع البلدان، وحكموا العالم. فلما لاحظ (المستعمرون) أنه لايمكن قيام الوحدة بين البلدان الاسلامية السيطرة على ثرواتهم وذهبهم الأسود والأصفر، فكّروا في طريق للحل، وكان الحل في إيجاد الفرقة بين البلاد الاسلامية. وربّما يتذكر بعضكم الحرب العالمية الاولى وماذا فعلوا بالمسلمين وبالدولة العثمانية الكبرى، فقد كانت الدولة العثمانية تهزم روسيا في بعض الأحيان اذا ما قاتلتها، أما بقية الدول، فلم تكن منافسة لها في الساحة. وكانت الدولة العثمانية دولة إسلامية شملت سيطرتها الشرق والغرب تقريباً، وأدركوا أنه لا يمكن نهب الثروات مع وجود هذه الدولة الاسلامية القوية، لذلك قسموها الى دويلات، وعينوا لكل واحدة منها أميراً أو سلطاناً أو رئيس جمهورية.
وقد كان هؤلاء (السلاطين) في قبضة المستعمرين فيما كانت الشعوب المقهورة في قبضة هؤلاء الامراء والسلاطين، وبهذا الشكل أسقطوا الدولة العثمانية بحدودها تلك، في حين لم تستيقظ البلدان الاسلامية أو تظاهرت بالنوم، وقد كانت للدولة العثمانية تلك الحدود المترامية لاستنادها الى القرآن المجيد وتحت ظل الخلافة الاسلامية. وبعد التجزئة وفي زمن أتاتورك الخبيث ألغوا الاسلام هناك، فلا تعتبر الحكومة التركية الآن حكومة مسلمة، إلا أن الشعب التركي الشريف شعب مسلم. لقد فصلوا في تركيا الاسلام عن الدولة، فلا تجدون حالياً أحداً من المسلمين يأسف على مقتل الأتراك في قبرص. ويجب على رؤساء البلاد الاسلامية أن ينتبهوا الى الخلافات التي يثيرونها في العراق وايران وبقية البلاد الاسلامية، لأن هذه الخلافات هي التي تعرض وجودهم للزوال. إن الأيدي الخبيثة التي تزرع الخلافات بين الشيعة والسنة، ليست سنية ولا شيعية، بل إنها أيدي الاستعمار التي تريد نهب ثروات البلاد الاسلامية، وإيجاد أسواق سوداء لما يسمى الدول المتطورة. وقد نشرت صحيفة اطلاعات خلال الأيام القليلة الماضية أن ما تهدره أميركا من الطعام في ثلاثة أيام يعادل طعام الشعب الصيني البالغ ستمائة وخمسين مليون نسمة ليوم كامل. فلماذا إذن لا يُخضِعون الشرق لسلطتهم، حتى يبيعو (بضائعهم) بأسعار مناسبة، ويستبدلوها بالذهب ويأخذوه معهم؟ إن الحكومات الاسلامية لاتنتبه الى ما يحدث لها، وقد نجمت هذه الأضرار من ترك القرآن الكريم وعدم الاستناد الى قواعد الاسلام، إنهم أضعفوا البلاد الاسلامية بإيجاد الخلافات الطائفية بينها حتى يقضوا- والعياذ بالله- على المذهب وعلى الدين. ألا ينبغي أن ينتبه زعماء البلاد الاسلامية من رؤساء الجمهوريات والملوك والوزراء ونواب المجالس؟! و هل صحيح أن هؤلاء لا يعرفون أبعاد المسألة، أو أنهم يعرفونها، إلا أن حب السلطة والمنصب جعلهم يعملون طبقاً للتعليمات؟ وهل تعتقدون أنتم أيها السادة أن هؤلاء الذين يعرفون مجريات الامور أو يدعون المعرفة لم يدركوا هذا الموضوع البسيط الذي أدركه" السيد الخميني"؟! وهل تظنون ذلك؟! وإذا أدركوا، فإما أن يكونوا قد خدعوا- لا سمح الله- أو أنهم يخافون. لماذا يجب أن يخافوا؟ لأنهم قسموهم على فئات صغيرة، فقد جعلوا الآن الدولة العثمانية بذلك العرض والطول عدة دول صغيرة وشعوباً مقهورة، وأخضعوا هذه الامة التي تبلغ عدة مئات من الملايين لسيطرة عدد من الغافلين عن الله فاستعمروها. وأما هؤلاء الزعماء، فإنهم يقهرون شعوبهم. ألا يجب أن تستيقظ هذه الدول الاسلامية من النوم؟! وأي سوء قد شاهدوا من الاسلام؟
إن المسألة المهمة التي جعلت البلاد الاسلامية مغلوبة على أمرها وأبعدتها عن ظلال القرآن الكريم هي مسألة التمييز العرقي: فهذا من أصل تركي، ويجب أن يُصلِّي صلاته بالتركية، وهذا من أصل ايراني ويجب أن تكون حروفه الهجائية كذا، و ذلك من أصل عربي، ويجب أن تحكم العروبة وليس الاسلام، ويجب أن يحكم الأصل الآري وليس الاسلام متناسين ما يرتكز عليه المسلمون جميعاً! ويؤسف على أنهم جرّدوا المسلمين من هذا المرتكز، ولا أدري الى أين سيؤول الأمر؟! لعبة القومية هذه هي التي جاء الاسلام وشطب عليها بخط أحمر، ولم يفرق بين الأسود والأبيض، وبين الترك والعجم، وبين العرب وغير العرب الا بالتقوى والخوف من الله، والتقوى بمعناها الحقيقي: التقوى السياسية والمادية والمعنوية ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ1ليس هناك ترك و فرس، وعرب وعجم، فالمرتكز هو الاسلام. وأما قضية التفرقة العرقية، فإنها رجعية، إن السادة يعتبروننا رجعيين في حين أنهم يريدون أن يعودوا القهقرى إلى الفين وخمس مئة عام، فهل نحن رجعيون؟! لماذا يجب أن تَغفُل البلاد الاسلامية عن هذه الامور؟! لماذا يجب أن تواجه‏ البلاد الاسلامية بعضها بعضاً؟ اولئك أقاموا تحالفاً ثلاثياً مقابل هؤلاء، فليشكل هؤلاء تحالفاً آخر مقابل اولئك. لمَ يتقاتلُ المسلمون؟ وما الذي دفع المسلمين ليتحاربوا؟ أليست هي أيدي الاستعمار؟ فارفعوا يد الاستعمار عن البلاد الاسلامية، ثم شاهدوا اية صداقة تحصل، فإنْ يحكمْ الدين الاسلامي تُحفظ جميع الثغور ولا تعتد حكومة على أخرى، لأنّ الجميع مسلمون.
من المصائب التي حلت بالبلاد الاسلامية وأمة الاسلام هي أن الدول الاستعمارية قد عملت منذ سنوات طويلة جداً على الحط من شأن رسول الاسلام (ص)، ولذلك قالوا: إن أحكام الاسلام التي تعود الى قبل ألف عام لا يمكن أن تلبِّي رغبات الشعوب. ايها السيد ماذا عرفت عن الاسلام؟! لقد وظّفتم صحفكم ومجلاتكم وبرامجكم التلفزيونية والاذاعية وأحاديثكم في جلساتكم للطعن بأحكام الاسلام، وإن لم تكن نيتكم سيئة، فلابدّ أنهم قد أرغموكم عليه إما بالتهديد أو التطميع أو الاغفال، ونأمل أن يكون غفلة- بمشيئته تعالى- لا خيانة. فإنكم لم تعطوننا مجالًا لإيضاح حقيقة الاسلام، وقد جاءتني في هذه الأيام الثلاثة والأربعة الماضية رسالة من أحد الطلبة في أميركا كتب فيها أنّ الطلبة هنا يقولون- ومع الأسف- إن كل مصائبنا هي من الاسلام. أيها الطالب المسكين، إن الاسلام الذي يتحدثون لكم عنه من الاذاعة ليس إسلاماً، والاسلام الذي تقرؤون عنه في الصحف ليس إسلاماً. إن الاسلام الذي يطرحونه عليكم هو تخلَّف لا يقبله مسلم، ولا أقبله أنا أيضاً كما لا يقبله علماء الدين الآخرون. إن التلفزيون في هذا البلد يعود الى القطاع الخاص وفي يد اسرائيلي يقول فيه مايشاء، و (رجال الحكومة) هم الذين يضعون برامج الاذاعة وإعلامها. وأحد النشاطات الاستعمارية في البلاد الاسلامية إظهار الاسلام بمظهر المتخلف والقديم، وسراة القوم يقولون: عبادة القديم، ورجعيه، بهذا يعرّفعون الاسلام.
أعطونا جهاز إرسال، حتى يشرح دعاتنا الاسلام، فجميع أحاديثنا المنطقية لا تصل العالم، لا تخرج من نطاق هذا المسجد، لأنها محظورة، والخارجون منه لا يعلم مَنْ يلقى عليه القبض، ومن يسلم، ولا يُعلم أين ستصادر أجهزة التسجيل هذه. وهذه الأحاديث تتعلق بمصالح الاسلام والمسلمين وليست نزاعاً لأحد، إنها نصيحة وحبٌ للخير. يعلم الله أنّا نريدُ لكم الخير. اسمحوا للمسلمين بنصب جهاز إرسال، وأنا أضمن أن لا يكون البث لغير مصلحتكم، طبعا سيكون لغير مصلحة المستكبرين، هنا يجب أن يكون التلفزيون لمن هو أسوأ من اليهودي يوجّهه كما يشتهي. أما تبليغنا الإسلام، فليس حرّاً (لايجوز، ليس للرجعيين أن يتحدّثوا). أين الرجعية يا هذا؟ ولهذا لا يسمحون ولن يسمحوا!
إننا نقول: لو عمل جميع المسلمين بأحكام الاسلام لعزّوا .. أمة الاسلام عزيزة علينا كلّ شعب منها، سواء الترك والعرب والعجم والأفارقة والأمريكيون، وحيثما كانوا .. نحن ندعوكم الى التعاضد، ونطالبكم بتشكيل جبهة واحدة، لا أن تشكلوا جبهة ثلاثية، وتتحالفوا مع اسرائيل على اتحاد المسلمين، وهم يشكلون جبهة عليكم، فإنكم جميعاً مسلمون، وعليكم أن تتحدوا وليكن اعتمادكم على القرآن .. أيها السيد، انك لا تعلم ما هو القرآن! فقد وضعوه في جيوبهم فقط، إني لا أحمل في جيبي قرآناً، وجميع مأموريكم في جيوبهم القرآن، فهل تعتقد بالقرآن؟! إنك تريد أن‏ تخدعنا فقط، فالإناء أحرّ من الحساء. أوَ تعتقد بالقرآن؟ أنت تريد أن تعبث بنا فقط، لقد وضعت قرآناً في جيبك وأنت تريد أن يزول القرآن! فهل كلامنا هذا رجعية؟! وهل من الرجعية أن نطالبكم بالاتحاد وألاتسمحوا بنهب ثرواتكم؟! والأهم من ذخائرنا التي تحت الأرض، ذخائرنا الموجودة فوق الأرض التي هي أبناؤنا، فهم يجتذبون أبناءنا وأبناء البلدان الاسلامية. فأخذت أمريكا قسماً منهم، وذهب قسم آخر لا أدري الى أين، وذهب قسم آخر الى إسرائيل، ولدي في البيت مجلّة منظمة الطلبة الايرانيين في إسرائيل. إن الشباب هم عدّتنا، وهم يخدعونهم ويوهمونهم أن كل مصائبكم من الاسلام، وطلبتنا المساكين يشاهدون المسلمين الجياع هنا، مغلوبين على أمرهم ومساجدهم خربة، وعندما يدخلون أميركا ويشاهدون الكنائس المنظمة، يتصورون أن أحكام الانجيل والتوراة هي التي بلغت بهم الى هذا المستوى وأحكام إسلامهم جعلتهم يتخلفون! لا، فالحكومات الاسلامية هي التي جعلتنا كذلك، وهي التي أوصلت مساكيننا المغفلين الى هذا اليوم. هكذا يُظهِرون الاسلام!
لقد حكم الاسلام يوماً نصف العالم وكان يتقدم، فاقرؤوا كتاب غوستاف لوون الذي ينظر الى الحضارة الاسلامية من وجهة نظر مادية، إنه لا يفهم أصلًا ماذا يعني الاسلام، ولا يعتقد بالمسيح ولا بالاسلام، والحضارة في رأيه هي هذه الأعمدة، وظن أبناؤنا هذا أيضاً، فعندما تذهب، وترى تلك المظاهر هناك، وترى الفاتيكان بذلك الشكل، ومساجدنا خربة تعسة، تتصور أن السبب هو الاسلام. لا، فهذا من رؤساء المسلمين، وليس من الاسلام، فحكّام الاسلام خضعوا لسيطرة المستعمرين، وأوصلونا الى هذا اليوم، ومنحوا ثرواتنا للآخرين وأصبحنا تعساء، وبقينا مغلوبين على أمرنا وجياعاً. وهناك- كما يقال- يحضر رؤساء الجمهورية الكبار الطقوس الدينية أيام الأحد، ولكن هل تشاهد هنا شخصاً واحداً من هؤلاء (الرؤساء) في المسجد؟! هل يمكن العثور عليهم؟! هل يحضر أحد من رؤسائنا في المسجد؟ نعم، يحضرون أحياناً حين يموت والد أحدهم أو شقيقه، فيمرون بالمسجد مستهزئين. أما رؤساء جمهورياتهم وملوكهم، فانهم يحضرون طقوس دينهم، ذلك الدين الذي ليس فيه شي‏ء. وبطبيعة الحال كان هذا الدين صحيحاً في زمن السيد المسيح، لكن السادة يتصورون أن دين المسيح هو ما لدينا اليوم، وهو ليس كذلك.
إنني أطالب هؤلاء الطلبة أن يشاهدوا ما لدينا عن المسيحي وأحكام المسيح، ويدققوا في تلك الأحكام وما في القرآن من أحكام لا تعدّ ولا تحصى، فالاسلام يتضمن ملايين الأحكام، فما تستطيعون أن تتصوروا حدثاً أو شيئاً في العالم ليس للاسلام فيه حكم ورأي؟! فكيف يُعدّ رجعياً مثل هذا الاسلام الذي يتضمن حكماً لكل حدث يقع، حتى في الوقت الحاضر؟! رجعياً؟ فالتعاسات من حكام المسلمين هؤلاء المساكين الذين لا ينتبهون الى مصالحهم، أو لا يريدون أن ينتبهوا، فهم الباعثون على شقائنا، والجالبون لهذه الكوارث على المسلمين! ومع ذلك لا يدعوننا نعمل أيضاً! بل يفتحون لنا ملفاً في كل حادث يحدث. إنني كطالب علم أطالب الدول الاسلامية آملًا أن يبلغ ندائي أسماعهم، أطالبهم باقامة اتحاد اسلامي حقيقي وأن يتجاوزوا بعض أهوائهم، ويمدوا يد الاخوة بعضهم الى بعض، ويتآخوا، ولا يميلوا الى الشرق أو الغرب. بل على دول الشرق حتى البوذيين أن‏ يقفوا بوجه الغرب، ويردوه، ليكونوا فيما بينهم مجتمع سلم وهدوء، من دون أن يعتدي بلد على بلد، فيكونوا إخوة، وإذا أرادت دولة أجنبية الاعتداء عليهم كانوا يداً واحدة عليها. فإذا اتحد المسلمون، فلن تتمكن أية دولة من الانتصار عليهم. ومن الخطأ القول بأن هؤلاء (الأجانب) يملكون كذا وكذا. لا، فأنتم مبهورون ومخدوعون!
وفيما يتعلق ببلدنا فالحكومات تأتي وترحل، وكل حكومة تأتي تؤسس حزباً، فإحداها أسست حزب (مردوم) (الشعب) والاخرى حزب (إيران نوين) (ايران الحديثة). ولا معنى لتأسيس الحزب أصلًا في ايران، إلا في دول مثلها، فهم يأخذون جنسيات الناس أو بطاقات الاحوال المدنية منهم في القرى ويسجلون الأسماء، في حين لا يعرف هؤلاء المساكين ما معنى (إيران الحديثة)! فضلًا عن قرار التأسيس. هكذا يفعل من لا دين لهم، ويريدون من هؤلاء المساكين التعساء إقامة اجتماعات كبيرة ثم السير خلفهم والهتاف بحياتهم، وهذا هو كل ما يطلبونه من هؤلاء البائسين.
والدول ذات الأحزاب، تتشكل فيها الحكومة من الحزب، لا أن تقوم الحكومة أولًا ثم يؤسس الحزب ويعتمد على الحكومة. وهنا كما تلاحظون تقوم الحكومة أولًا، وهي حكومة لا علاقة لها بالمجلس ولا بي أو بكم، وهذا ما يقولونه بأنفسهم، ولم أقله أنا. إنهم يقولون: (جئنا بأمر، ويجب أن لا يرتكب أحد أية حماقة)! وألّا يرتكب أي نائب أية حماقة. هكذا تتشكل الحكومة أولًا، وبعد أن تمسك بيدها الحراب تبدأ بتشكيل حزب، وبعد ذلك (يدّعون) أن الحكومة قد نشأت من الحزب، فيقولون: إن حكومتنا حزبية. أجل، وحكومة السادة حزبية، لكن لماذا يقولون هذه (الاكاذيب)!
أيعقل أن أفهم أنا طالب العلم هذه الأمور ودول العالم لا تفهمها؟ هؤلاء يريدون أن تكون أنت بهذا الشكل أيضاً، ويريدون أن تبقى متخلفاً. دعوا هذا التخلف، وحافظوا على مجدكم، وإذا أردتم تأسيس حزب، أسَّسوه قبل تشكيل حكومتكم، ثم يعين الحزب ممثليه في المجلس طبقاً للدستور وبقية القوانين، فيعتمد السيد الوزير أو رئيس الوزراء على نواب الحزب الذين اختارهم الشعب، وبعد ذلك تتشكل وزارة معتمدة على الحزب، على الشعب.
أما أنتم، فتشكلون الحكومة، فيعين رئيس وزرائها أولًا، ثم يُؤسس الحزب، فتكون كومة حزبية باسم اولئك الذين لا يستطيعون ان يصدروا لهم صحيفة، وربما يريدون ان يكتبوا، لكن الويل لمن يكتب.
ولا شأن لنا نحن الطلبة بهم، أولئك لهم بهم شأن. بسم الله، نحن حاضرون.
يُعدّون فئة حزبية كما ترون ترتع كلّ يوم بأموال هذا الشعب المبتلى .. هذا الشعب الجائع الذي يعلم الله ساعة أفكّر بمستقبله، بهذا الشتاء المقبل عليه آلمُ له أشدّ الألم. ألهؤلاء خبزُ في سنة أخرى؟ لا، ما لهم. والوضع المعاشي هذا العام سي‏ء، حتى عَلَف الدواب عدم. ماذا سيفعل هذا الشتاء الأسود بهذا الشعب الفقير البائس؟ لا أدري ما سيكون.
ألا تفكر الحكومات التي أتلفت زراعتهم بإشباعهم من هذه السوق السوداء الناشئة على حسابهم في الأقل؟ او يبيتون خِماص البطون جوعاً، ويقال: هذه هي حال الحزب في إيران، وهذا هو الوضع الذي عليه مجلس إيران، وتلك هي حال العلاقة مع إسرائيل، والآن فان الكثير من افضل مزارع إيران بيد إسرائيل، لقد قال لي أحد كبار هؤلاء المسؤولين الذي التقاني: إن قضية إسرائيل منتهية، ولا أعلم أية قدرة يمتلكها هؤلاء السادة على القول خلاف الحقيقة. لقد كتبت صحيفة إسرائيلية جاءتني، أن سفير إسرائيل في طهران- يقول السادة إنه لا شأن لنا بإسرائيل- عقد في اليومين أو الثلاثة الماضية في السادس عشر من شهريور اجتماعاً مع اليهود في (حي) (دروازه دولت) بطهران، اجتمع فيه أربع مئة أو خمس مئة يهودي لصّ، وكان مختصر ما قالوه هو: تمجيد جماعة وذم جماعة أخرى، ثم قالوا: إن المجد لليهود، وإن اليهود هم شعب الله المختار، وإننا شعب يجب أن نحكم، واننا نعارض الاستبداد ونعارض الهتلرية ... إلى آخره.
وكانت هذه أقوالهم، أيها السادة، هؤلاء يأتون بمرأى ومسمع من حكومتنا، ويقولون هذا الكلام! حسناً، فامنعهم عن ذلك ولا تدعهم ينطقونه، كلّ الكلام هو أن يقولوا ما يشين وينبزوا. ومن العيب والعار أن تعتمد دولة على اليهود، وهل كلامنا هذا سيئ جداً؟! طبعاً مر المذاق عندكم، إنه من تعاسة بلد اسلامي ومن تعاسة المسلمين إقامة العلاقة والتحالف مع دولة تعادي الاسلام، وتقف الآن في مواجهة المسلمين، وتغتصب فلسطين. إنني أقول للحكومات الاسلامية: أيها السادة لماذا تتنازعون حول نهر «1»، وفلسطين مغتصبة؟ فاطردوا اليهود منها، يا من شغلتم بأنفسكم او تتنازعون في نهر وفلسطين مغتصبة؟ عندما تنازعتم في نهر ثبتت حكومة اسرائيل على فلسطين. أكانت هذه الحكومة؟
أخرجوا الآن مليوناً أو أكثر من العرب المضطهدين، وجعلوهم ينامون جياعاً في الصحارى. ألا يجب على الحكومات الاسلامية أن تستنكر هذا وترفع صوتها به؟ أتتحالفون مع هذه الدولة التي طردت مليون مسلم أو أكثر وشردتهم؟ وإذا كنتم غير متحالفين، فاكتبوا عليها في الصحف، وإذا كنتم غير متفقين معها فدعوا ما أقول من الكلام يُكتب في احدى هذه المقاهي وينتشر. فإن لم تسمحوا، فاعلموا أنكم متحالفون معهم، متحالفون مع اليهود، مع إسرائيل.
وترون عملاء اسرائيل يعيثون في البلاد خراباً. وأخيراً بلغني خبر توسَّلوا إليّ الآن ألا أذكره، وقالوا: صحّحناه. والبارحة جاءوا من الإذاعة، وقالوا ما تريد يقال، وقيل شي‏ء منه ايضاً، لكنني لا أُصدّق كثيراً من هذه الاشياء، فأنا بعيد التصديق. ورأوا أننا اليوم نريد الصدع بأربع كلمات ننصح بها للسادة، وخشوا أن يُذكر هذا الاسم، فصحّحوا شيئاً في الإذاعة البارحة، إلا أنني ما صدّقت مرة أخرى. وإذا لم يجعلوني أصدَّق، أجي‏ء الى هنا يوماً آخر، وأتحدّث، وحينئذ أذكر ذلك الأمر. هؤلاء عملاء اسرائيل، أينما تضع اصبعك تجد أحدهم في مركز حسّاس، مركز خطر.
والله هم في مراكز خطرة على تاج هذا السيد. وهؤلاء ليسوا بملتفتين الى أنّ أولئك هم الذين كانوا قد تآمروا، في شميران بطهران، ليقتلوا ناصر الدين شاه، ويقبضوا على مقاليد البلاد. انظروا التاريخ، وانتم تعلمونه، لقد تآمروا في نياوران ليغتالوا ناصر الدين شاه. وعدة منهم كانوا في طهران ليقبضوا الحكم. هؤلاء يرون الحكومة منهم، فكتبوا في كتبهم وفي مقالاتهم: الحكومة لنا، يجب أن نأتي بمملكة جديدة، بحكومة جديدة، حكومة عدل. هؤلاء أولو النوايا السيئة ممتدّون من البلاد الى آخر البلاد. هؤلاء موجودون هناك، فاخشَهُمْ أيها الرجل، فإنهم يحكمون في الوزارات، وعندما وضعت اصبعي على أحدهم وجدت أحد الوزراء ينكر ذلك، أرسلتُ إليه بوثيقة مكتوبة تؤيد ذلك، ومازال موجوداً إلا أنني لا أعرف اسمه القذر. إنهم في الوزارة، في الجيش، حسناً، أيها الجيش المحترم اصفع هؤلاء على أفواههم، فأنت مسلم. كثير من قادة الجيش ناس طيبون، ولهم علاقات بي وأحياناً يكتبون لي، فعليهم إذن أن يحولوا دون مَن يعادون دينهم وبلدهم واقتصادهم واستقلالهم.
أيها السادة، اخشوا هؤلاء، فو الله إني أُريد خيركم وأخشى أن تفتحوا عيونكم يوماً وقد زال وجودكم، إنني أخشى هذا، أو اسمحوا لنا أن نقضي عليهم، وأنا سأقضي عليهم في يوم ما، فإنني لا اريد أن تحدث اضطرابات، وطالما ترغبون بالهدوء اطردوا هؤلاء بأنفسكم، وان لم تطردوهم سيحل يوم لا تستطيع فيه أنت ولا أنا. هذه هي الاوضاع التي نواجهها، فلا أدري ماذا أفعل ولا أدري ما هو سبيل الاصلاح؟
إن سبيل إصلاح البلد، هو ثقافة ذلك البلد، فلابد أن يبدأ الاصلاح من الثقافة، إذ إن أيدي الاستعمار في ثقافتنا لا تسمح لأبنائنا أن يستقلوا، فإن صلحت الثقافة صلح البلد، بالثقافة يدخلون الوزارات والمجلس، وبالثقافة يتكون الموظف، فإما أن تبنوا أنتم ثقافة صالحة، وإما أن تسمحوا لنا بذلك.
والآن يريد السادة إنشاء وزراة للأوقاف، على أمل أن يخضعوا العلماء للوزارة! إنّكم ستأخذون هذا الحلم معكم الى القبر! (فلن يتحقق). هل تتصورون أنه يمكن جعل علماء الاسلام مثل علماء المسيحية؟ لا يمكن ذلك أبداً، فعلماء الشيعة مستقلون، ولا تتبع الطبقة العلمائية المستقلة أية جهة، فطالب العلم المحترم الذي يعيش ويجتهد بثلاثين وأربعين توماناً في الشهر، لا يمكن أن يؤيد بلداً وحكومة أخرى. فهؤلاء مستقلون في أفكارهم، ومن بين هؤلاء يتخرج الانسان ومن بين هؤلاء يتخرج السيد حسن المدرس. فلا يمكن أن نسمح بأن يكون العلماء تحت إشراف الوزير الفلاني. فيجب إذن تأسيس وزارة ثقافة سليمة، ثقافة صالحة، ولابدّ أن تكون الثقافة بأيدينا، ألا يحق أن تكون لنا وزارة واحدة في هذه الدولة؟ فجميع الوزراء يعينون من قبل أميركا، فضعوا وزارة المعارف إذن تحت تصرفنا نديرها بأنفسنا ونحن نعيّن وزيراً للمعارف، وإن لم نقم بذلك أفضل منكم فاطردونا بعد عشر سنوات أو خمس عشرة سنة. اجعلوا وزيراً للمعارف منا وأمهلونا مدة لنؤدّي العمل بشكل صحيح، فإن قلنا لكم لا تدرسوا، أو ترتقوا الى عنان السماء، (فاطردونا). إنكم غير لائقين بها، ولعجزكم تقولون: إن العلماء لا يسمحون لنا، (تفضلوا) من ذا الذي منعكم؟! تفضلوا، واستوردوا مصنع صهر الحديد، أي عالم قال: لا تستوردوا؟! تفضلوا، واصنعوا الطائرة والسيارة، إن كنتم قادرين، وما أنتم بقادرين، فأنتم حكومة عاجزة، وعجزكم ليس ذاتياً، وإنّما يد الاستعمار جعلتكم كذلك، إنكم منبهرون بالغرب. فهل كلامنا هذا قديم بال لا يأبه له أحد؟! إنني اعاهدكم على أن الالمان يقبلونه أيضاً، فأعطونا وزارة واحدة، وامنحونا عدداً من الساعات في هذه‏ الاذاعة، التي تبث الموسيقى، وتسوق شبابنا نحو الفساد الخلقي، شرط أن تدعونا أحراراً لا أن تضعوا برامجها بأنفسكم، وتطلبوا منا أن نبثها، لتروا الخير كله، واعاهدكم أن لا تتعارض مع ملككم ووزارتكم وزعامتكم.
فلو أصبحت بيدنا وزارة المعارف فقط ومقدار من أجهزة الارسال، لأطلعنا شعوب العالم على أحكام الاسلام، وجعلنا الاسلام والثقافة، ثقافة مستقلة، وربّينا رجالًا مثل العربي الذي وقف إزاء الامبرطور، وجرد سيفه، وأزاح الديباج قائلًا: لقد قال رسول الله (ص) بأن لا نلبس الحرير، ولا نجلس عليه! إننا نربي مثل هؤلاء، وانظر عندئد هل يقع مثل هؤلاء الرجال الذين يتخرّجون في مدرستنا وثقافتنا تحت تأثير الاستعمار، ولكن ماذا نفعل أيدي الاستعمار الخبيثة لا تسمح بإعطائنا وزارة الثقافة التي يجب أن تكون بأيدينا، فهذا هو حقّنا ونحن به جدير. أتريدون أن تؤسسوا وزارة الأوقاف؟ فلتكن منا، لا أن تعينوا أنتم الوزير، فلستم جديرين بتعيينه، ونحن الذين يجب أن نعيِّنه. فدعونا نعيّن وزيراً للمعارف ووزيراً آخر للأوقاف، وعندئذ ترون كيف يزول ما يحدث من أعمال غير أخلاقية تجري الآن، ويأخذ كل شي‏ء مجراه. فاخضعوا لعدد من أحكام الاسلام، واسمحوا لنا أن نجبي الضرائب الاسلامية بالشكل الذي كان يأخذه الاسلام من الناس بالسيف، وسترون عند ذاك أنّه لا يبقى فقير. إنني أشق لكم الطرق وأشتري لكم السفن فاسمحوا بذلك، ولكنكم لا تسمحون. أعلم أنّ ما قلته غير مؤثّر، وقد انتهى، وستمضون وأمضي. ولن يسمع أولئك هذه المطالب، لكن ما عسانا نفعل؟ هذا هو داؤنا، هذا هو داؤنا.
ينبغي أن يكون الاعلام بيدنا، نحن الدعاة لا أنتم! ونحن الذين يجب أن نكون في الاذاعة للاعلام، إنكم عندما تمارسون الاعلام تجعلونه معادياً للاسلام! والاعلام الحالي ليس إسلامياً! ولم يتم العمل بالاسلام في بلدنا يوماً واحداً، ويعلم الله أنه لم يعمل بالاسلام حتى يوماً واحداً! فماذا نعمل؟ فلا نحن نملك الوقت للحديث، ولا تساعد أوضاعنا على ذلك! وعندما نريد أن نقول كلمتين نشاهد فجأة اندلاع تظاهرة (ينادون) بأن مؤسسة نقل الركاب تريد توظيف أربعة آلاف عامل (لتفرقة اجتماعنا)! فهل لك نزاع معنا أيها السيد؟! مؤسسة نقل الركّاب معنا، فارفع السكين من فوق رأس هذه المؤسسة تجد الجميع هنا، كلّهم يجيئون، ويجتمعون من أجلنا! أتريد إدارة بلد بالقوة؟! فو الله لا يمكن ذلك بالقوة، فأصلح نفسك قليلًا وصلح بعض أوضاعك.

والآن حينما نلتفت الى الاصلاحات، لقد أجرى السادة الاصلاحات وأحد اصلاحات السادة الكبرى، الارغام على تعطيل أيام الجمعة، أن تبقى مراكز الفساد ودور السينما والمسارح مفتوحة. ومن العجب تعطيل المكاسب وموارد الرزق وحرمان الجياع ما يسدّون به رمقهم بالقوة وفتح أبواب الفساد وما لا أذكر اسمه. فالسوق مغلق، والمكسب مقفل، وغداً تسري الحال الى قم. وكانوا قد قالوا: أهل قم أرادوا منّا ما أراد أهل طهران. وما أرادت قمّ المبتلاة منهم شيئاً، ومع ذلك تفتح عينيها صباحاً، لترى ألوان المطالب المفتراة، والصحف تكتب ذلك، وبعض هذه الصحف خائنة لبلادنا. الجمعة عطلة وشُبّان في عنفوان شبابهم ومراكز فساد مفتّحة لهم، وفيها مالذّ وطاب مما يذهب بعقولهم. وبعد عشر سنوات اخرى لا نشاهد شاباً يصلح للبلد! إنهم يأخذون منكم أبناءكم‏ أفواجاً! فعليكم أن تقيموا في أيام الجمع اجتماعات دينية وتبليغية، لتبينوا للناس ما يحدث من خير وشر. أسسوا مراكز للشباب يجري فيها التبليغ وشرح القضايا الجارية، واذكروا ما يجري من المفاسد في البلد بالقدر الذي تسمح به مديرية الأمن، وإلّا فان عطلة يوم الجمعة الالزامية هذه ليست لاستراحة الطبقة الكادحة. يجب أن يتم أولًا توفير وسائل الترفيه الصحيحة للشعب، ثم أقفلوا أبواب (المحلات والمخازن)! ولكنكم لم تفعلوا ذلك، وتركتم مراكز الفساد مفتوحة، وأقفلتم أبواب المحال التجارية. ولئن بقيت الجهات تتخذ هذه القرارات كما هي بعد حديثي هذا ووصوله اليهم، فهذا يدل على أنكم تضمرون نوايا سيئة، ويتبين أن تعليمات جديدة قد صدرت!
اللهم أيقظ هؤلاء، اللهم أذل أعداء الاسلام! اللهم عرِّف زعماء البلاد الاسلامية وظائفهم، اللهم اقطع يد الاستعمار، اللهم اقطع يد من يريد نهب هذا البلد عن طريق الاستعمار، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

* صحيفة الإمام، ج‏1، ص: 343-351


1- الحجرات: 13.

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء