المفاهيم العرفانية الرفيعة للمناجاة الشعبانية، حسب رؤية الامام الخميني

المفاهيم العرفانية الرفيعة للمناجاة الشعبانية، حسب رؤية الامام الخميني

تحدث الامام، في جمع من مسؤولي النظام، خلال لقاء له معهم، بمناسبة الخامس عشر من شعبان 1403 هـ ، في حسينية جماران، مباركاً لهم هذا اليوم الأعز، ومشيراً الى بركات اشهر رجب و شعبان ورمضان.

 تحدث الامام، في جمع من مسؤولي النظام، خلال لقاء له معهم، بمناسبة الخامس عشر من شعبان 1403 هـ ، في حسينية جماران، مباركاً لهم هذا اليوم الأعز، ومشيراً الى بركات اشهر رجب و شعبان ورمضان، قائلاً:

هذه الاشهر الثلاثة، رجب وشعبان ورمضان توفر للأنسان بركات جمّة، يمكن الانتفاع بها بالطبع، ان مبدأ الكل هو المبعث... ولاتستطيع الألسُن، البراري، العقول والافكار، احتواء شرف الاشهر المذكورة. فمن بركاتها الادعية التي جاءت فيها. نحن اليوم نعيش شهر شعبان الشريف، والمناجاة الشعبانية، من اكبر واعظم المعارف الالهية ومن اكبر العوامل التي يمكن للراغبين فيها الانتفاع بها لدرك انفسهم...
اشار سماحته، في قسم آخر من كلمته، الى المفاهيم العرفانية الرفيعة في المناجاة الشعبانية، بالقول:

"فكم من المسائل العرفانية في القرآن الكريم وفي مناجاة الأئمة- سلام الله عليهم-، لا سيما المناجاة الشعبانية، غير أن الأشخاص والفلاسفة والعرفاء الذين بوسعهم استيعابها إلى حد ما، غير قادرين على تجسيدها في الوجدان بسبب غياب التوجه العرفاني. انظروا إلى الآية الكريمة: «ثم دنى فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى). لقد تحدث المفسرون والفلاسفة عن هذا الموضوع، غير ان الذوق العرفاني بات قليلًا .. (إلهي هبْ لي كمال الانقطاع إليك وأنر أبصار قلوبنا بضياء نظرها إليك حتى تخرقَ أبصار القلوب حُجُبَ النور فتصل إلى معدن العظمة وتصير أرواحنا معلقة بعز قدسك. إلهي واجعلني ممن ناديته فأجابك وناجيته فصعق لجلالك)
فهذه عناوين تبدو للإنسان سهلة متصوَّرة. غير أن اياً من العارف والفيلسوف والعالم ليس بوسعه أن يدرك كنه المسألة، مسألة (فصعق لجلالك)، التي مبدؤها القرآن. وكذلك (وخَرَّ موسى صعقاً)، حيث يتصور الإنسان بانه سقط واغمي عليه (صعق). ولكن ماذا كان الصعق؟ ما هو صعق النبي موسى؟ هذه مسأله لا يفهمها غير النبي موسى. وكذلك مسألة (دنى فتدلى) التي ليس بوسع أحد أن يفهمها ويدركها ويذوب فيها غير ذلك الذي حصل له (الدُنُوّ). إلى غير ذلك من العبارات الواردة في هذه المناجاة العظيمة، التي تبدو في الظاهر سهلة مفهومة غير أنها في الحقيقة ممتنعة على الفهم، وان الإنسان بحاجة إلى رياضات كثيرة حتى يتسنى له فهم (ناجيتَه) بفتح التاء، وليس (ناجيتُه) بضم التاء.
فماذا تعني (ناجيتَه)؟ هل المقصود أن الله تعالى يناجي الإنسان؟ وما هذه المناجاة؟ ما الذي أراده الأئمة من ذلك؟. اني لم أر مثل هذه التعابير في أدعية أخرى غير هذا الدعاء. لقد كان الأئمة جميعاً يقرؤون هذه المناجاة. وهذا دليل على عظمتها. جميع الأئمة كانوا يقرؤون هذه المناجاة، فماذا يعني ذلك؟ ما هذه المسائل التي كانت بينهم وبين الله تبارك وتعالى؟. (هَبْ لي كمال الانقطاع إليك). فما هو كمال الانقطاع؟ و (بيدك لا بيد غيرك زيادتي ونقصي ونفعي وضرّي). فالإنسان- حسب الظاهر- يقول: إن كل شي‏ء بيده. غير أن معنى ذلك هو: لن يصيبنا ضرر إلا بيده، ولن تتحقق اية منفعة إلا به، فهو الضار والنافع. ولكن أيدينا قاصرة عن أمثال هذه الأمور، واسأل الله تعالى أن يوفقنا في هذا الشهر الكريم وكذلك شهر رمضان المبارك، لتحقيق ولو لمحة بسيطة من هذه الأمور في قلوبنا. على الأقل أن نؤمن بما تعنيه قضية (الصعق). إن نؤمن بماهية مناجاة الله مع الإنسان. إن نؤمن على الأقل بالمناجاة ولا نقل عنها بأنها كلام دراويش.
كل هذه المسائل موجودة في القرآن بنحو لطيف، وفي كتب الدعاء المتوافرة بين أيدينا، والتي وصلت إلينا عن طريق أئمة الهدى. فهي ليست بلطافة القرآن الكريم ولكنها لطيفة أيضاً.
وان كل الذين استخدموا هذه الألفاظ فيما بعد كانوا قد استعاروها من القرآن الكريم والحديث الشريف سواء عن علم أو دون علم. وربما لا يعتبرون سندها صحيحاً أيضاً. وطبعاً فإن القلة هم الذين بوسعهم إدراك معنى ذلك. فكيف إذا ما تذوقته الروح وأنست به. فهذه مسألة تفوق تلك المسائل." (صحيفة الامام، ج17،ص 315-317)

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء