حوار خاص مع قرينة مفجر الثورة الاسلامية ينشر في ذكرى رحيلها..60 عاماً الى جانب الامام

حوار خاص مع قرينة مفجر الثورة الاسلامية ينشر في ذكرى رحيلها..60 عاماً الى جانب الامام

ستون عاماً من العمر قضتها إلى جنب الإمام، رافقته في حياته وشاركته أفراحه وأتراحه، ولا شاهد أقرب و أكثر صدقاً في حكاية حياة الإمام منها. لقد لمست عن قرب عظمة الإمام وخلوصه وتقواه ومعنوياته ونظمه وصدقه، وبكلمة واحدة شخصيته الرفيعة.

ستون عاماً من العمر قضتها إلى جنب الإمام، رافقته في حياته وشاركته أفراحه وأتراحه، ولا شاهد أقرب و أكثر صدقاً في حكاية حياة الإمام منها. لقد لمست عن قرب عظمة الإمام وخلوصه وتقواه ومعنوياته ونظمه وصدقه، وبكلمة واحدة شخصيته الرفيعة. إنها رأت بأم عينها وأودعت في قلبها كثيراً من الحقائق والدروس الحلوة التي سمعها الآخرون أو قرأها؛ وليست هي إلاّ قرينة الإمام وكريمته وعزيزته الحاجة السيدة خديجة الثقفي(قدس ايران)، التي تحظى باهتمام و تكريم عشاق الإمام.
إن حكايتها لسلوك الإمام العائلي رواية صادقة عن خصائص القيادة الإلهية المقدسة، وذلك بعد مضي عشرين عاماً من خطّ نسخة فريدة وتبلور نظام إلهي. وقد أجرت ابنتها الدكتورة السيدة زهراء مصطفوي معها لقاءً مطوّلاً، وبمناسبة ذكرى وفات قرينة سماحة الإمام ننشر لكم النص الكامل لهذا اللقاء.
ـ السيدة مصطفوي: أماه السلام عليكم، أرجو قبول عذري؛ إن كنت موافقة، أردت أن تتفضلي بالحديث المختصر عن حياتك المشتركة مع الإمام، وكذا عن احوالك قبل الزواج، وعن عائلتك من الناحية العلمية والاقتصادية.
ـ قرينة الإمام: وعليكم السلام؛ بسم الله الرحمن الرحيم
إذا أردت الحديث عن عائلتي فينبغي أن أبدأ من عدة أجيال مضت. فالوالد هو الحاج ميرزا محمد الثقفي كان من علماء طهران، وقد أثر عنه التفسير (نوين) في عدة مجلّدات، وقد كان في أغلب أوقاته مشغولاً بالتأليف، وقلّما يمارس الوظائف الأخرى مثل أخذ الوجوهات الشرعية (أخماس وزكوات)، والاتصال بالتجار وما شابه ذلك. وقد كان يأمّ جماعة. وباعتبار أن الوالدة كانت من عائلة متمولة فقد كان في غنى عن البحث عن مورد. وقد كان والدها الميرزا أبو الفضل الطهراني من نوابغ زمانه، وقد توفي عن عمر يناهز الأربعين، وكان له كتاب (شفاء الصدور) وهو شرح على زيارة عاشوراء. وقد كان الامام يقول: كان السيد الميرزا أبو الفضل من العظماء، وقد طُبع له ديوان شعر بالعربية.
ـ يبدو انه كانت له مكتبة ضخمة تم وقفها.
ـ نعم كانت له مكتبة ضخمة، وقد سمعت من أبي أنه وهبها لمدرسة (سپهسالار) أي مدرسة الشهيد مطهري حالياً. وقد كانت له دروس في تلك المدرسة اضافة إلى انه كان يصلي هناك.
والده هو الحاج ميرزا أبو القاسم الثقفي كان معروفاً باسم (الحاج ميرزا أبو القاسم كلانتر) وهو من مجتهدي عصره، وأحد كتبه هو تقريرات درس المرحوم الشيخ الأنصاري (من العلماء العظام) وقد كان هذا الكتاب في متناول الجميع.
ـ على هذا، كان الوضع الاقتصادي لعائلتكم جيداً؟
ـ نعم؛ لقد ورثت جدّتي أباها، وقد كان زوجها مسئولاً عن الخزينة (خازن المماليك) وكان متمولاً. أما الوالدة فكان أبوها يعطيها 30 توماناً يومياً. أما أبي فقد كان طالب حوزة ورغم أنه ما كان يملك شيئاً، إلاّ أن أباه كان يقطن زقاق (صدر أعظم) الذي كانت بيوته ملكاً لأتابك. وأتابك كان زوج عمة أمي. وقد كان العلماء آنذاك يحظون باحترام واهتمام جهاز الحكومة، لأن شؤون الدولة جميعها كانت تحت اشراف العلماء. وقد كان الوالد الحاج ميرزا أبو الفضل يحظى باحترام وتقدير من قبل أتابك، وبما أنهما كانا أقارب، كانت علاقتهما وثيقة.
ـ يبدو أن الوالد سبق وأن سكن مدينة قم لفترة.
ـ جاء الشيخ عبد الكريم الحائري إلى قم سنة 1340هـ.ق، وباعتبار أن تاريخ ولادتي 1333هـ.ق فإني كنت آنذاك سبع سنوات تقريباً. والدي في السنة التاسعة والعشرين أو الثلاثين من عمره قرّر أن يذهب إلى مدينة قم لأجل الدراسة، وقد كنتُ آنذاك تسع سنين.
ذهب أبي برفقة أمي إلى قم ومكثوا مدة خمس سنين هناك، وأنا لم أذهب معهم بل بقيت عند جدتي، وما كان والدَي يتوقعان التحاقي بهم لأني كنت مع جدتي منذ الصغر.
ـ أنا عشت مع جدتي منذ الشهر السادس مع عمري. وكانت تُدعى السيدة مخصوص، وكنا ندعوها نحن السيدة ماماني. وعندما هاجر والدي إلى قم، كنت مع جدتي نزورهما كل سنتين مرة. لم تكن آنذاك سيارات، بل عربات حصانية ودليجنسات وكنا نبيت في الطريق ليلتين في علي آباد وفي مكان آخر. الوالد كان قد استأجر بيتاً موقراً في زقاق السيد اسماعيل في السوق. البيت كان كبيراً فيه ساحة وبرّاني، وصاحب البيت كان تاجراً محترماً، وقد كان له خادم في البيت باسم ذبيح الله واثنين من الحشم وأشخاص آخرون كانوا يترددون عليه لأجل أداء أعمال مختلفة.
كان لأمي ثلاثون توماناً شهرياً، لذا أرسلتنا إلى المدرسة، وكان آنذاك مدرسة حديثة فيها صف يضمُ عشرين طالبةً، وما كان الكل يتمكن من إرسال أطفاله إلى المدرسة إلاّ بنات الأطباء والتجار والمجتهدين. ونحن كنا ثلاث أخوات نذهب إلى المدرسة ودرسنا إلى الصف الثامن أنا في طهران وأختي في قم، وفي الصف الثامن طرح حديث الزواج.
ـ بعد ما بلغ الحديث موضوع الزواج، نرجو أن تتكلمي عن زواجك، وكيف الإمام حصل عليك أو وجدك؟
ـ باعتبار أن الوالد قطن قم مدة خمس سنوات، وأنا ذهبت لزيارته عدة مرات، مرة كنت بنت العاشرة وأخرى بنت الثلاثة عشرة وأخرى بنت الاربعة عشر، وفي احدى هذه المرات طلب الوالد من جدتي بقائي إلاّ أنّ جدتي أرادت الاقامة لمدة خمسة عشر يوماً فقط باعتبار قرب العيد. ترجّاها والدي كثيراً قائلاً لها: "لم أشبع من رؤية قدسي، فاتركيها عندنا مدة شهرين، وعندما تأتي إلى طهران في الصيف نأتي بها معنا". وقد رضت الجدّة في النهاية، أما أنا فما كنت راضية على البقاء، رغم ذلك بقيت مدة أشهر. وقد كنت تخرّجت من الصف السادس ولم يوافق الوالد على ذهابي إلى الثانوية، وقد كانت ثانويات البنات آنذاك قليلة جداً، وكان الوالد يقول: "ان المعلمين والمفتشين والفراش كلهم رجال، فلا تذهبي"، ولأجل ذلك بقيت في قم أشهراً، ثم رجعت بصحبة الوالدة إلى طهران.
خلال فترة إقامة الوالد في قم مدة خمس سنوات، تعرّف على عدة أصدقاء، كان السيد روح الله واحداً منهم، ولم يكن حاجاً آنذاك، وهو رجل متدين ونجيب وفاهم وكيّس وقد ارتضاه الوالد رغم اني كنت اختلف معه في العمر اثنا عشرة سنة، أما الوالد فكان يختلف معه بسبع سنوات، ومن بين اصدقاء الوالد هو السيد محمد صادق اللواساني وقد كان صديقاً للسيد روح الله كذلك، وفي الوقت الذي جاء فيه الوالد إلى طهران، كان السيد اللواساني قد تحدث مع السيد روح الله (حيث كان له من العمر 26 ـ 27 سنة) حول موضوع الزواج وقد كان السيد روح الله قد قال للسيد اللواساني: "لم أرتضِ بعدُ ببنت، ولا أريد الزواج ببنت من مدينة خمين"، فقال له السيد اللواساني: "إن السيد الثقفي له بنتان، وكلاهما حسنتان كما تقول زوجة أخي". لقد حكى لي هذا كله أبي بعد ذلك على كلِّ حال، كان يرتدي الملابس الجيدة، فكان يرتدي الجلود الإسلامبولية ويذهب إلى الدرس. وكان الطلبة يتعجبون من ملابسه؛ فقد كان عالماً ومتديناً وأنيقاً في نفس الوقت. كان أبي لا يدعنا نذهب إلى المدرسة إلاّ بعد ارتداء السروال الطويل وأحذية سوداء وبسيطة، وأكمام طويلة. لكنه ـ روحياً ـ ما كان يحب التجمّل وكان حقاً من أهل العلم وروحانياً. وكان السيد (الإمام) دائماً يقول: "والدك روحاني رفيع المستوى، وصاحب علم وفضل كبير، لكن من المؤسف أنّه ما كان شيء من زمام شؤون الروحانيين بيده".
ـ بما أنه كان صاحب علم وفضل، لابد وأن كانت له تأليفات؟
ـ أنا لا أعرف عن ذلك شيئاً إلاّ تفسيراً واحداً، وإذا أردت الإطلاع فاسألي من الأخوين السادة علي وحسن، فانهما يعلمان بهذه القضية. ورغم أنّ الكثير قد أخذ منه كتباً مجانياً، ورغم أنه قد وهب مكتبته إلى الجامعة، لا زالت له مكتبة تملأ غرفة كاملة إلى السقف تحتوي على كتبه وكتب والده وكتباً أخرى قد حصل عليها.
ـ أماه، تكلمي عن كيفية حصول الخطبة؟
ـ ما تقدم كان دافعاً للسيد أحمد أن يقدم على خطبتي للإمام، وقد استغرقت موافقتي على الزواج مدة عشرة أشهر؛ وذلك لأني كنت غير مستعدة للمجيء إلى قم، وكنت عند المجيء إلى قم لا أقيم أكثر من 10 ـ 15 يوماً، وبعد ذلك كنت أطالب جدتي بإرجاعي إلى طهران. وذلك لأن قم لم تكن كما هي الآن؛ فقد كانت مكتظة بالمقابر، والقبور كانت ملتصقة بجدار صحن الحرم، والأزقّة كانت ضيقة و فما كنت أقيم في قم كثيراً، بل أرجع في وقت مبكر، وقد كنت منزعجة عندما أرغمني الوالد مرة للبقاء في قم مدة شهرين.
لقد بدأت مراحل الخطبة، وقد قال لي أبي آنذاك: "لا إشكال من جانبي، حتى لو غرّبك عن جدتك وبعدك عنها، لأنه إنسان لا يدع السيدة قدسي تتأذى". وباعتبار صداقته مع السيد، كان يعرفه جيداً. أما أنا فكنت أقول: لا أذهب إلى قم أبداً، وكانت هناك أمور تجعلني أكره الذهاب إلى قم.
ـ إذن ما حصل أن ذهبت إلى قم؟ يبدو أنك رأيت مناماً إذا كنت تذكرين ذلك.
ـ رأيت منامات مباركة، أدركت بعدها أن هذا الزواج مقدّر، وفي آخر مرّة التي تمت القضية بعدها، رأيت الرسول وأمير المؤمنين والإمام الحسن مجتمعين في بيت صغير، وقد كان نفس البيت الذي استأجرناه للعرس.
ـ أي أنك رأيت بيتاً في المنام، كان هو ذاته الذي أجرتموه للعرس، هكذا؟
ـ نعم؛ نفس الغرف والمواصفات التي قد رأيتها في المنام، وحتى الستائر التي قد اشتروها لنا بعد ذلك كانت نفسها التي قد رأيتها في المنام، ففي ذلك الجانب من البيت غرفة جالس فيها الرسول والأمير والإمام الحسن، وفي الجانب الآخر الذي يضمّ غرفة للنساء (التي اصبحت فيما بعد غرفة العروس) أنا كنت فيها مع عجوز مرتدية عباءة منقّطة بنقاط صغيرة وكان يقال لها (جادر لكي)، وهي عجوز ذات ملامح ناعمة، وقد كان الزجاج يشكل جزءً من باب الغرفة وكنت أنظر من خلال هذا الزجاج. سألت العجوز: مَن هؤلاء؟ فأجابت: ان الذي على رأسه عمامة سوداء هو الرسول (ص). والرجل الذي له مولوي أخضر (عمامة صغيرة) وقبعة حمراء يتصل بها شال (وقد كانت هذه الملابس مألوفة آنذاك)، وفي النجف كان الخادم يرتدي هذا الزي من الملابس) هو أمير المؤمنين. وفي ذلك الجانب شاب يرتدي عمامة سوداء، قالت فيه العجوز انه الإمام الحسن. وبعدها قلت: هذا الرسول وذلك الأمير، وبدأت بإبراز الفرح؛ فقالت العجوز: "أنت التي تكرهين هؤلاء!!". فقلت: "كلا، أنا لا أكره هؤلاء، بل أحبهم" ثم قلت: "أنا أحب هؤلاء جميعهم؛ فذلك رسولي وذلك إمامي الأول والآخر إمامي الثاني". قالت العجوز: "أنتِ تكرهين هؤلاء"، وفزعت آنذاك من النوم، كنت منزعجة لِمَ استيقظت بسرعة. وفي الصباح حكيت المنام لجدتي، فقالت جدتي: "أماه؛ يبدو ان هذا سيد حقاً، وأنت قد آذيت الرسول والأئمة برفضك إيّاه، فلا حلّ للمشكلة إلاّ رضائك؛ وهذا هو تقديرك".
ـ متى كان البناء أن تخبرونهم بالجواب؟
ـ كنت أجيب بالرفض كلّما كانت تقترح عليّ جدتي الموضوع؛ والجواب النهائي كان مبهماً. وكان السيد أحمد اللواساني يأتي ليلياً من قبل الخطيب ويسأل عن الجواب؟ وتتكرّر منه هذه الممارسة، وكان جواب جدتي: لم ترضَ النساء بعد. وباعتبار الصداقة التي كانت بين السيد أحمد والوالد، كان يأتي بين الحين والآخر بعربة ويقيم ليلتين أو ثلاثة في بيت الوالد ثم يرجع إلى قم.
وبعد مضي فترة، وفي المرّة الخامسة من مجيء السيد أحمد خلال شهرين أراد الجواب الأخير؛ فأراد الوالد أن يقول له "لا يمكنني أن أوافق، لأن القضية تتوقف على إرادة البنت والأمر بيدها وبيد جدتها، ونحن نكنّ لجدتها الاحترام الوافر". وعدم موافقة جدتي كان بسبب أن شريكها في الأملاك قد خطبني.
ـ والدك كان نيّراً كثيراً، وملتزماً بضرورة احراز رضاك ورضا جدتك، عكس ما كان عليه الآباء آنذاك في عدم الالتفات إلى متطلبات البنات.
ـ نعم، نعم، عندما استيقظت صباحاً، حكيت المنام إلى الجدة، وبعد ان جمعنا مائدة الافطار دخل الوالد، وقد كان ذلك في الشتاء والمدفأة تعمل، وكل ذلك كان بغتة ومن دون سبق قصد وبرمجة.
ـ أي أن المنام، واستشارة الجدّة، ودخول الوالد البيت كلها حصلت دفعة وفجأة.
ـ نعم؛ وبعد دخول الوالد أتيت أنا بالشاي، فقال: "جاء السيد أحمد للمرة الخامسة وقال لي كلاماً لا قدرة لي على النطق به" والكلام الذي كان قد تفوّه به السيد أحمد بعد ما قال له أبي إن النساء غير موافقات، هو: "إنها عاشت مرفّهة، ولا يمكنها أن تكيّف نفسها مع حياة الطلبة البسيطة، وهذا كلام يقوله المخالفون".
الجميع كان مخالفاً، أولهم أنا ثم الجدة والأم والأقارب. والوالد كان يقول: الأمر إليكم، لكني أثق به كرجل مثقّف ومتدين، وديانته تحول دون قضاء السيدة (قدسي إيران) أوقاتاً مزعجة.
قال لي الوالد: "إذا لم تتزوجي حالياً، فلا علاقة لي بزواجك بعد ذاك".
كنت في الخامسة عشر من عمري وكنت أحترم الوالد كثيراً. وكنت لا أتردد أمامه من دون عباءة وعندما يدعونا كنا نأتيه مرتدين العباءة ـ عباءة كانت، لي أو لأختي. أنا سكتّ آنذاك. جاءت الجدة بالكز (نوع من الحلويات التقليدية الايرانية) كمراسم استقبال، فقال الوالد: "أتناول الكز كعلامة على موافقة السيدة قدسي ورضاها"، وأكل قطعة الكز. أما أنا فما تفوّهت بشيء لأن عظمة المنام كانت قد استحوذت عليّ. وقد غادر الوالد البيت بعد تناوله الكز.
وبعد اسبوع جاء السيد أحمد اللواساني والسيد بسنديده والسيد الهندي (أخوا الإمام) والسيد محمد صادق اللواساني والخطيب بصحبة خادم كان باسم مسيّب جاءوا جميعاً إلى بيت الوالد لأجل الخطبة، وقد كانوا جميعاً اصدقاء إلاّ السيد الهندي.
فأرسل الوالد، الخادم ذبيح الله إلى بيتنا وقال: "إن السيدة عندها ضيوف وطلبت مجيء السيدة قدسي إيران إلى البيت". سألته الجدة: "من هو الضيف"؟ كانوا قد أوصوه أن لا يصرّح لهم بمجيء الخطيب إلى بيت الوالد خوفاً من تكرر الرفض من قبلي؛ وبعد ما ذهبت إلى بيت الوالدة فهمت الموضوع.
إن اختي التي كانت أصغر مني سنة ونصف السنة، صرخت "جاء العريس! جاء العريس". وأخذوا بي لأرى العريس من خلف الغرفة، وكان جالساً في موقع بحيث يكون أمام من أراد النظر إليه من خلف الغرفة. وقد كان السيد أصفر الوجه، ذات شعر أصفر بعض الشيء، جالساً قرب المدفأة؛ وعندما رجعت، ذهبت أمي وأخواتي لرؤيته، لأنهن ما كنّ قد رأينه من ذي قبل.
ـ هل ارتضيت العريس؟
ـ ما وجدت فيه بأساً، إلاّ أني كنت أصغر من أن أتّخذ قراراً، كما كنت ذاتياً بسيطة. رجع الوالد ببطء وسأل الوالدة: "ما قالت قدسي إيران بعد ما رجعت؟". وقد قيل لي فيما بعد ان الوالد عندما رآني ساكتة خرّ ساجداً لله. لأنه كان قد ارتضى العريس بنفسه. وكان يردد دائماً "قلبي يميل إلى أن يكون لي ولد من أهل العلم وعريس كذلك" وقد حصل ذلك. حيث ان ولده الثاني السيد حسن أصبح من أهل العلم كما كان الوالد نفسه.
ـ هل الوضع المعيشي بعد الزواج كان مثل وضعك قبل الزواج؟
ـ في البداية عندما أراد السيد أن يتزوج، وكان البناء أن يجيبه الوالد بالايجاب، قال الوالد للسيد أحمد: إنّ النساء يُشكلون على الزواج. فسأل السيد أحمد ما هي اشكالاتهم؟ أجاب الوالد: أحد الاشكالات هو أن البنت لا تعرفه وهو من مدينة خمين والبنت من طهران وقد عاشت مرفّهة، والوضع المالي والمعيشي لجدّتها جيد جداً، وقد لا تتكيف في العيش مع طالب حوزة ومعيشته الخاصة. وهل يملك الخطيب شيئاً؟ فإذا كان مورده الوحيد مرتب الشيخ عبد الكريم، فلا يمكنها العيش معه حقاً؛
ـ أماه! سمعت أن العرس كان في شهر رمضان المبارك، رغم أن المألوف هو حصول العرس في غير هذا الشهر، لماذا؟
ـ لأن الدروس كانت معطّلة.
ـ وهذا يعني أن الإمام كان بدرجة من الالتزام بالدرس بحيث ما كان مستعداً لتعطيل دروسه حتى لأجل الزواج.
ـ نعم كان ملتزماً.
ـ هل مراسم العقد والعرس كانت مجلّلة أم بسيطة؟
ـ العقد لم يكن مجلّلاً. كان الوالد جالساً في المضيف ودعاني إلى المجيء قربه، وقد كنت قادمة من المدرسة توّاً، فوضعت عباءة اختي الصغيرة على رأسي وذهبت قربه: قال: اجلسي في ذلك الجانب من المدفأة؛ إن عائلة العريس جاءوا في اليوم الأول من شهر رمضان واليوم هو الثامن من الشهر ووالدتكِ استقبلتهم بحفاوة مذ ذاك. فهم قد أقاموا في بيت الوالد.
كانوا يبحثون عن بيت يستأجرونه لأخذ العروس، وقد كان القرار أن يتم العرس في طهران ثم نذهب إلى قم. وقد وجدوا بيتاً بعد ثمانية أيام. وقد كان نفسه الذي رأيته في المنام، وقد قال لي الوالد: "وكّليني لكي أوكّل السيد أحمد لإجراء صيغة العقد في شاه عبد العظيم". والسيد كان قد وكّل أخاه السيد بسنديده. وعندما طلب مني والدي هذا تأملت بعض الوقت وقلت: "رضيت". ثم ذهبوا إلى شاه عبد العظيم لاجراء صيغة العقد. وبعد أن قالوا إنا هيّأنا البيت، قال الوالد: أعطوهم وسائل البيت. وقد كانت الوسائل عبارة عن سجادة وملحف ومدفأة ووسائل الطبخ وأشياء اخرى؛ كما أرسلوا معي مربيتي مع بنتها عذراء لأجل الاستقبال والطبخ. وفي الليلة الخامسة عشر أو السادسة عشر من شهر رمضان دعا السيد الأصدقاء والمعارف وقد ارتديت آنذاك ثوباً أبيض وأنيقاً كانت بنت العمة قد خاطته وطرزته بالورد حسب ذوقها الحسن.
ـ ما كان مقدار صداقك؟ وهل مقداره كان باقتراحٍ منكم أو من السيد الوالد؟
ـ كان 1000 تومان. وكانوا قد قالوا للوالد بالامكان جعل دارٍ من دورنا في خمين صداقاً للبنت؛ إلاّ أن الوالد رفض ذلك باعتبار جهله بأسعار الأملاك في مدينة خمين.
ـ هل طالبت بصداقك؟
ـ كلا، لم أطالب. لكنه أوصى في نهاية الأمر بسدس بيته في قم كجزء من الصداق.
ـ هناك نظرية مطروحة تقول إن التي كان صداقها قبل ستين سنة مقداراً معيناً كألف تومان، فهي لا تطالب حالياً بأكثر من ألف تومان. وهناك من يقول إن المطالبة حالياً بما يعادل قيمة الألف تومان في ذلك الزمان.
ـ نعم؛ إنّ الألف تومان آنذاك تكفي لتجهيز العروس بجهاز كامل. وقد جعل لي سهماً في البيت ظناً منه أني قد احتاج السكن في البيت يوماً ما.
ـ كيف كانت معاملته لكِ عموماً؟ هل كان يكنّ لك نفس الاحترام الذي كنت تحضين به قبل الزواج أم لا؟ وهل هذا الاحترام كان مستمراً إلى آخر أيام حياته؟
ـ نعم؛ كان يحترمني ويهتمّ بي كثيراً، وما كان يجرحني بكلمة واحدة. وفي يوم من الأيام كانت بنتاه صدّيقة وفريدة ـ أما أنتِ فقد كنت صغيرة ـ قد ذهبا إلى بيت الجار من السطح، فاعترض على ذلك وكان متوتراً وقلقاً، ظناً أن في بيتهم خادماً، فكنت أطمئنه بأن الخادم لم يكن آنذاك؛ ورغم عصبيته التي قد تصل إلى قمتها ما كان يسيء الأدب تجاهي. كان يختار لي مكاناً جيداً من الغرفة ويتجامل في تقديمي على نفسه.
وما كان يبدأ تناول الطعام قبل مجيئي. وكان يطلب من الأطفال أن يتأنوا في الأكل إلى مجيء الوالدة. ما كان يتفوه بكلام بذي أبداً. ولكني لا أقول أنه وفّر لي حياة مع رخاء؛ بل حياته كانت بسيطة باعتبار أنه كان طالب حوزة. وما كان يحب أن يمدّ يده إلى الآخرين للسؤال، كما كان ذلك حال أبي. فكلاهما كان يحبان العيش بما كان في أيديهم من ميزانية. رغم ذلك كان يحترمني. وكان يرفض عملي في البيت. كان يقول لي دائماً: لا تكنسي. وإذا ما أردت غسل خمار أحد الأطفال في الحوض كان يأتي ويقول: "قومي؛ ما عليك أن تغسلي ذلك". كنت أكنس الغرفة في غيابه وكذلك الحال بالنسبة لملابس الأطفال، فقد كنت اغسلها في غيابه. وفي سنة من السنوات التي غاب فيها خادمنا الدائم ـ كنا آنذاك في الإمام زاده قاسم، أي في السنوات الأخيرة حيث كبر الأطفال وتزوجوا ـ كنت أذهب لغسل الأواني بعد إتمام وجبة الغذاء، وكلّما كان يراني هناك ـ وقد كانت فريدة موجودة في بيتنا ـ كان يأمر فريدة بغسل الأواني عوضاً عني.
ـ أمي العزيزة! إن هذه المطالب الصريحة والواضحة تكشف عن أن الإمام ما كان يعدّ غسل الأواني بل حتى خمار أحد اطفالك من وظائفك. وكان ينزعج من قيامك بهذه الأعمال في الحالات التي تتطلب الحاجة منك القيام بها بنفسك، ويعدّ ذلك اجحافاً لك. وأنا أذكر جيداً أنه ما كان يأمرك بغلق الباب عند دخولك الغرفة، بل يقوم هو بعد جلوسك ويغلق بنفسه. إن احترام الإمام لك كان ولايزال مما اشتهر عنه. لقد سمعت أنك درست عند الإمام، أرجو ايضاح ذلك.
ـ بعد مرور سنة واحدة على اكمالي للمرحلة الابتدائية ذهبت إلى الاعدادية ودرست الأول المتوسط هناك، وبعد مضي شهرين من دراستي استأجرت معلمة تعلمني الفرنسية، كما ودرست شهرين عند معلمة أخرى. كنت أمنح كل منهما 2 تومان شهرياً. بعد قدوم والدي من قم إلى طهران تعلمت على يديه كتابة جامع المقدمات مدة من الزمن وبعد ان تزوجت استمر السيد الإمام في تعليمي، وبعد اطلاعه على قابليتي يبدأ بتدريسي جامع المقدمات، وقد درست جميع دروس جامع المقدمات؛ بالطبع بدأت في السنة الأولى بدراسة علم الفلك، وبعد ذلك بدأت بجامع المقدمات. وعندما شرعت بالسيوطي كان لي طفلان، وعندما أتممت دراستي له كان لي أربعة أطفال، وعندما جاء الطفل الرابع وهو فريدة، أصبحت معدومة الفرصة للدراسة، رغم ذلك شرعت بدراسة شرح اللمعة. وبعد فترة من الزمن وجدت نفسي عاجزة عن الاكمال، فتركت الدراسة؛ وقد استغرقت دراستي ثماني سنوات. وبعد إنطلاق الثورة ذهبنا إلى العراق. فبدأت بدراسة اللغة العربية، وبما أنّي كنت أفقد الصديقات شرعت بتعلّم العربية من خلال الكتب الدراسية؛ فتناولت كتاب الثالث الابتدائي ثم السادس ثم الصف التاسع اخذته من "حسين"، وبما اني كنت أجهل بعض الكلمات، جاء لي أحمد العزيز بمعجم فارسي ـ عربي عندما سافر إلى طهران. ثم مالت نفسي إلى مطالعة القصص الروائية الجميلة، ورغبتي بها كان دافعاً لي على مطالعتها. وسبب تركي للدراسة في وقت مبكر من عمري هو عدم وجود المشجعين لي على ذلك، رغم ان رغبتي للدراسة كانت شديدة قياساً لما كان عليه المعارف والصديقات.
ـ إن تخصيص الإمام وقتاً لتدريسك مدة ثمان سنوات في بداية الزواج، يُعدّ تشجيعاً لك على مواصلة الدراسة، وقبل هذا كنتِ قد ذهبت إلى المدرسة لا الكتاتيب رغم ان أكثر الناس آنذاك بل حتى أنا ذهبت إلى الكتاتيب لا المدرسة، وهذا هو بذاته تشجيع لك على التعلّم والدراسة.
ـ نعم؛ ان قبوله تدريسي واستمرار هذا التدريس مدة ثمان سنوات كان نوعاً من التشجيع. لكن لو كان أربعاً من أمثالي يدرسن ويتباحثن معي لكانت النتيجة مختلفة. فالطالب يتشجع إلى الدراسة عندما يرى زملائه في الصف يدرسون معاً؛ كنت أقرأ القصص الروائية في العراق، وعندما تطورت عربيتي بدأت بقراءة الجرائد والمجلات وبلغت مستوى أني طالعت في السنة الأخيرة من إقامتنا في العراق كتاب "الحضارة الإسلامية" باللغة العربية.
ـ أمي العزيزة! باعتبار اطلاعي على مستواكِ العلمي ومستوى طلاب الجامعات، فإنّي أعدّك بمستوى الجامعيين المتفوّقين، وذلك بفضل مساعيك الشخصية وتشجيع سماحة الإمام. فالإمام كان يسعى دائماً لرفع مستواك العلمي؛ ويا ترى هل كان يتدخل في شؤونك الخاصة مثل اختيار الملابس والخروج من البيت؟
ـ كلا؛ أذكر في الاسبوع أو الشهر الأول من حياتنا المشتركة انه قال لي: لا علاقة لي بشؤونك الخاصة وارتدي ما تحبين من الملابس، وما أريده منك هو الالتزام بالواجبات والاجتناب عن المحرمات، أي أن لا ترتكبي ذنباً. ما كان يؤكد على المستحبات كثيراً. ما كان يتدخّل في شؤوني؛ فكنت أعمل وأعيش بالشكل الذي تهوى إليه نفسي؛ فما كان يتدخل بلقاءاتي مع الصديقات ولا في خروجي من البيت؛ فقد كان مشغولاً بالدرس والتحصيل وأنا مشغولة بشؤوني الخاصة.
ـ أماه! كنت حظيظة أن كان زوجك عارفاً بالإسلام، حيث كان عالماً بحدود صلاحيات الرجل في مجال التحكم بالمرأة؛ ولذلك ما كان يتدخل في شؤونك الخاصة؛ بل ما كان يطلب منك إلاّ أداء الواجبات والانتهاء عن المحرمات، وهذا هو معنى التسليم إلى الله.
أماه! تفضلي بالحديث عن القضايا السياسية أثناء الثورة وقبل ذلك؛ هل الإمام كانت تربطه علاقة بالسيد الكاشاني؟
ـ إن السيد الإمام كان يحب السيد الكاشاني. عندما جاء السيد إلى طهران وأقام في بيت الوالد مدّة ثمانية أيام، كان قد التقى بالسيد الكاشاني آنذاك وبيت السيد الكاشاني كان في نفس الزقاق الذي كان فيه بيت الوالد. وكانا صديقين، وفي ذلك الوقت قال السيد الكاشاني للوالد: "أين وجدت هذه الاعجوبة".
ـ بهذا يتضح أن السيد الكاشاني قد أدرك ذكاء الإمام ونباهته منذ أن رآه في المرة الأولى. ويبدو أنه قد أدرك منذ ذلك الحين أن الإمام يختلف عن باقي الطلاب. ماذا فعل الإمام في قضية نواب صفوي؟
ـ أرادوا اعدام نواب صفوي وأخوته وكنت صديقة لأمهم. وقد ذهب السيد الإمام آنذاك إلى السيد البروجردي لأجل التدخل في القضية، إلاّ أن السيد رفض ذلك، فاُعدموا.
ـ ما هي ذكرياتك عن بداية النضال عام 1342هـ.ش [1963]؟
ـ كانوا يصادرون الأملاك بالقوة ويعطونها إلى الرعية. وكان السؤال عن حلية الزراعة والخبز الناتج عنها يتكرّر دائماً. بعد فترة ذهبت أنا برفقة مصطفى إلى النجف وكربلاء. وقد سمعنا هناك تدهور الأوضاع في إيران. وكان السيد مصطفى قلقاً تجاه الأوضاع، ويطالبني بالرجوع إلى إيران. وعندما رجعنا وجدنا البيت مكتظاً بالناس، فذهبنا إلى بيت أخيكِ، وقد تبدل بيت السيد مصطفى إلى مقهى. والاضطرابات أخذت بالازدياد، إلى أن بلغت نقطة خطاب الإمام يوم عاشوراء. وقد كان ذلك اليوم صوت همهمة الإمام وتنفّسه مشهوداً في البيت. جاءوا تلك الليلة وركلوا الباب، ذهب السيد لهم وقال: لا تركلوا الباب، فقد جئت. وفي أثناء ارتدائه لقباه وعباءته كسروا الباب وداهموا البيت، وأخذوا السيد معهم. كان محتجزاً في دارٍ مدة يومين أو ثلاث، ثم نقلوه إلى سجن قصر احتجزوه هناك مدة 10 أو 12 يوم، وما كان مسموحاً لنا بأخذ طعام له. ويبدو أنهم كانوا يذهبون إليه وينصحونه لرفع اليد عن نضاله. طالب السيد بكتاب دعاء وملابس فأرسلنا له ما أراد. وبعد ذلك نقلوا السيد إلى عشرت آباد ليضلّ هناك مدة شهرين، ما كانوا يسمحون لأحد الالتقاء به أو الإتيان بشيء له إلاّ الطعام، لهذا جئنا إلى طهران في بيت الوالدة وكنا نرسل له الغداء كل يوم. ثم اُطلق سراحه بعد شهرين، أخذوا به في البداية إلى منطقة داودية في دار الحاج عباس نجاتي. أنا ذهبت برفقة بناتي إلى هناك في اليوم الأول، وبعد ما اختلت الغرفة وبقينا نحن لوحدنا قلت له: هل يصعب عليك البقاء هناك؟! فمدّ يده على رقبته وأخرج قطعة صغيرة مفتولة من جلده. وما قلت آنذاك شيئاً إلاّ أني كنت مزعوجة جداً.
ـ لازلت تنزعجين عندما تذكرين بعض الذكريات. أعتذر يا أمي، إنّي أبكيتك لمرات في هذا اللقاء بسبب إحياء الذكريات المرّة. أعتذر حقاً.
ـ لا إشكال في ذلك. بعد ذلك اقترح السيد روغني أن يأتي السيد الإمام إلى بيته. وقد تموضع الكثير من رجال الأمن (الساواكيين) أمام دار السيد روغني، كما أنهم أجّروا بيتاً لنا يقرب من بيت السيد روغني. وكان قد تموضع 30 شخصاً تقريباً من رجال الأمن، كانوا يحدّون من التردد من وإلى البيت، وما كانوا يسمحون لشخص بالدخول إلاّ الوالدة والأخت. وقد قضينا مدة سبعة أشهر في القيطرية عند دار السيد روغني. وبعد ذلك قال لنا رئيس الساواك آنذاك الذي كان اسمه انصاري: أخبرونا متى ما أردتم الذهاب إلى قم، للمجيء بسيارة لكم. وذهبنا بعد ذاك إلى قم ووجدنا البيت قد ملأته الرجال، فأجّروا لنا بيتاً يتصل بجدار بيتنا وفتحوا باباً يتصل بالبيت. وقضينا فترة ثمانية أشهر في قم أي من العيد [النيروز] وحتى الثالث عشر من آبان حيث ألقى خطابه المعروف حول الحصانة القضائية للأمريكيين [كابيتولاسيون]. في الليل جاءوا خلف الباب وأنا كنت في الشرفة والإمام في جانب آخر، ورأيت أن واحداً بعد الآخر يتسلقون الجدران، فصرخت "سيد" ورأيتهم يركلون الباب الذي بيننا وبين الباب الخارجي. وعند سمع السيد صوتي صاح: "كسرتم الباب، إني قادم". ورأيت أن واحداً آخر من رجال الأمن قد تسلّق الجدران، فخفت، وكان ذاك في السحر. فخرج السيد من الغرفة وصرخ: "كسرتم الباب.. أخرجوا وأنا سآتي"، وعندما رأوا السيد خرج من الغرفة واتجه نحوي نزلوا من الجدران. جاء السيد وأعطاني ختمه ومفتاح صندوقه، وقال لي: "فلتكن هذه عندك حتى أخبرك"، وخرج من ذلك الباب فأخفيت ما أعطاني ولم أخبر بها أحداً. كان ذلك، لأنّ السيد توقع أن يأخذوا ختمه ومفتاح صندوقه. فزع آنذاك أحمد وكان 17 أو 18 سنة، سألني: أينَ أبي؟ قلت: "خرج من هذا الباب، أنت لا تذهب خلفه" لكنه ذهب. قال بعد ذلك: "لم أتحرك إلاّ أقداماً قليلة حتى رأيت بعدها أحد رجال الأمن موجهاً سلاحه نحو وجهي محذراً إياي من التقدم أكثر".
ـ لا تنزعجي يا أمي، وإذا كانت ذكريات تلك الأيام تزعجك إلى هذا الحد، فإني سأضطرّ لعدم السؤال. أرجو أن تكوني صبورة كما كنت إلى الآن. أذكر إذّاك عندما جئتك رأيتك ترجفين، وعندما سألتك عن صحتك أجبت بقوة؟ إني بصحة جيدة، لكني لا أعلم لِمَ أرجف. وأنا دائماً يتغير حالي عندما أذكر تلك اللحظة وأذكر مظلوميتكِ. حسناً يا أمي، لم تذكري لنا ما فعلت بالمفتاح والختم وكيف أرجعتيهما إلى الإمام في النهاية.
ـ كنت قد أخفيت المفتاح والختم إلى أن ذهب السيد إلى العراق؛ وبعدها أرسل لي رسالة من النجف طلب مني إرسالها بواسطة شخص أمين. طرحت الموضوع على السيد اشراقي، فقال لي: إنّي أطمئن إلى الشيخ عبد العلي القرهي وعنده جواز سفر؟ فكتبت رسالة أرفقت معها المفتاح والختم فدفعهما إليه في النجف.
ـ إن ايداع الإمام المفتاح والختم بيدك أنت دون شخص آخر رغم أنه بإمكانه أن يقول لك أودعيهما عند شخص آخر، يكشف عن ثقة الإمام بك ومستوى المقاومة وحفظ السر التي كنت تتمتعين بهما، أرجو أن تحكي لنا عن إقامته في تركيا.
ـ إنّ مدينة "بورسا" كانت محلّ إقامة السيد وكان يرافقه رجل من الأمن باسم حسن وهو من أهالي مدينة ساوه، وكان هو أيضاً من المبعدين لوحده دون عائلته، لذا كان غير مرتاح. وإلى جنب حسن كان شخص تركي باسم "علي بيك" كانا يراقبان السيد دائماً. وعندما أبعدوا أخوك مصطفى، كانا يذهبان سوية خارج البيت، وجلّ الوقت كان الإمام يصرفه في البيت لأجل كتابة رسالته العملية "تحرير الوسيلة".
ـ ماذا فعل نظام الشاه بالأخ؟
ـ بعد توقيف السيد، ذهب أخوك إلى بيت آية الله السيد المرعشي النجفي، والناس كانوا ملتفين حوله؛ وإثر اكتشاف النظام أن لأخيك دوراً مؤثراً، ألقاه في سجن قزل قلعة مدة شهرين ثم أبعده إلى تركيا.
ـ هل كنت راضية على ذهاب الأخ إلى تركيا؟
ـ كلا.
ـ أذكر أنه جاءكم الأخ عندما أراد الذهاب إلى تركيا، وأذكر أنّي أعنته على شدّ العمامة. وكنت مخالفة مع ذهابه، وتقولين له: "لقد مضى من السيد عمراً وهو يناضل الشاه، فهو مسنّ حالياً، أما أنت فشاب بذمتك زوجة وأطفال وزوجتك حامل حالياً، ما افعل بزوجتك. وبما أنّ الأخ كان مرغماً على الذهاب وما كان يريد إيذائك، قال: إن الجميع مجتمعون هنا، إلاّ الوالد فهو وحيد وفريد في تركيا، فعلي الذهاب قربه وقد أخذوه في النهاية؛ وكان يوماً عصيباً ومرّاً هل تذكرين؟ [تؤيد زوجة الإمام ذلك بالبكاء]. أعتذر، إنَّ هذه الذكريات مؤلمة لنا جميعاً. الآن تكلّمي عن كيفية ذهاب الإمام إلى العراق، وعن الحوادث التي حصلت له في طريقه إلى العراق؛ ومن المحتمل أن الوالد أو الأخ تحدث عن ذلك. لأن هذا موضوع قلّما تطرّق له شخص. وأغلب السادة، التحق به في العراق فيفتقدون المعرفة بما جرى للإمام قبل ذلك.
ـ بعد اطلاق سراحه في تركيا خيّروه الرجوع إلى إيران أو الذهاب إلى العراق، إلاّ أنهم عملياً أرغموه على الذهاب إلى العراق. بعد دخوله العراق قررّ أن يذهب إلى كربلاء في البداية لأجل الزيارة، ثم يذهب إلى النجف. وخلال تواجده في الكاظمية ثلاثة أيام أو أربعة كان يذهب إلى سامراء. وفي هذه الأثناء كذلك دعاه أحد الأشخاص الذين كان لهم دار في كربلاء واعتاد الاصطياف في فصل الحرارة ليسكن بيته في هذه المدة، فذهب وسكن هناك مدة ثلاثة أيام، إلى أن أعدّ الحاج الشيخ نصر الله الخلخالي من أصدقاء السيد وصرّافي العراق بل من صرّافي نصف الممالك العربية، بيتاً له في كربلاء، كما أنه هيّأ للإمام بيتاً في النجف. وفي كربلاء أقام السيد مدة ثلاثة أيام في بيت الحاج الشيخ نصر الله. وقد قال الأخير للناس والطلاب: أعّدوا للإمام بيتاً ووسائل البيت لكي لا يقيم الإمام في غير بيته؛ والوسائل التي اشتروها واعدوها للبيت كانت سجادة وبسط مستعملة، ثلاثة أو أربعة من ملاحف النوم وسماور كبير، وكيس سكر، وصندوق من الشاي، وأربعين فنجاناً وصحون مختلف أنواعها لأجل الاستقبال، أربع صواني (أطباق) وكمية من الأواني الاخرى. وقد أطلع الرجال بأن يأتوا في الساحة التي مقاساتها 5X6متراً. وبعد ما وصل إلى منزله في النجف قادماً من كربلاء، أقام مدة 14 عاماً. والدار كان صغيراً جداً. ومساحة مطبخه كانت لا تسع فراش سرير واحد. كنا نضع قدر الطعام خارج المطبخ عندما نريد صبّ الطعام. كانت هناك غرفتان في الطابق التحتاني حجم كل منهما 3X4، كما كانت هناك غرفتان في الطابق الفوقاني، احدهما كانت غير مؤهلة للاستخدام، ففرشنا واحدة منهما للإمام. وآجرنا البيت المجاور لتخصيصه للاستقبال. والدار عموماً كان صغيراً وقديماً.
ـ أمي العزيزة! رغم أني أستنبط من الكلام أنك كنت تعانين من الاوضاع الاقتصادية في العيش مع الإمام، إلاّ أنك كنت تتحملين ذلك كله قناعة منك. ألا تتصورين أنك وكذا اطفالك متأثرون جميعاً بالإمام من الناحية العقائدية والأخلاقية؟
ـ نعم، إن معنويات الإمام وسلوكه وكلماته أثرت على الأطفال، وبخاصة في مجال الديانة، فإن أطفالي متدينون حقاً وأنا أشكر الله على ذلك، وهو يرجع إلى الإمام وآثار وجوده.
ـ هل تشعرين بهذا التأثير في ذاتكِ؟
ـ لقد تأثّرت بسلوكه وتقواه كما هو الحال بالنسبة للأطفال، إلاّ أن تأثيره على الأولاد من الناحية الأخلاقية مشهود في الأولاد.
ـ لو كان زوجك شخصاً غير مؤمن، فهل تعتقدين أنك لا تتغيرين من الناحية الخلقية وكذا الإيمان؟
ـ كنت أضعف في الديانة، كما أن الآن قويت فيها حقيقة.
ـ من وجهة نظر أخلاقية غير دينية، هل سمعت الإمام يوماً يحذرك أو يحذّر الأولاد بأن يصونوا لسانهم، أو يتقيدوا بسلوكهم؟
ـ كان يذكّرنا بالمواظبة على الأخلاق والسيرة الحسنة، فيدعونا لعدم التكبّر، ولا أحد من الأولاد وكذا نفسي كزوجة للإمام يتكبّر، ولا أتصور أنه خطر في ذهننا أنّنا من عائلة الإمام وأن ذلك دافعاً لنا نحو التكبر والعجب.
ـ ما يخطر ببالك من إرشادات أخلاقية وتربوية؟
ـ لا أذكر من ذلك شيئاً، فإنه قلّما ينصح، لكنه كان يؤكد على التربية الدينية عندما يبلغ الطفل السبع، ويطالبني بأن آمر الأطفال بالصلاة كي يعتادوا عليها في التسع؛ إلاّ أني كنت أقول له: ضع كل شأن من الشؤون التربوية بعهدتي إلاّ الصلاة، فإنهم لا يصغون إلي. كان يهتم بشأن الصلاة ويسألهم عن أدائهم للصلاة، ويصدّقهم إذا ادّعوا الأداء، ولا يلح بالسؤال منهم، ولا يتفحص في صدق كلامهم.
ـ تعتقدين أنّ أكبر دور للإمام في مجال تربية الأطفال والعائلة هو تقوية الاعتقادات المذهبية فيهم.
ـ نعم، أخذتم الأخلاق والإيمان منه؛ أما السلامة والتكيّف مع الحياة ومع الأزواج فأخذتموها مني.
ـ أماه! كيف تقضين أيامك بعد رحيل الإمام، وكيف هو سلوك الأولاد معكِ، وكذا معاملة المسؤولين؟
ـ إن معاملة المسؤولين جيدة جداً، وقد زارنا السيد الخامنئي عدة مرات وسأل عن أحوالي. وكذا الشيخ هاشمي الرفسنجاني زارنا عدة مرات، في الاعياد وفي أوقات أخرى.
ـ هل تترددون على عوائل المسؤولين؟
ـ نعم، إن عوائل المسؤولين يتعاطفون معي ويحبونني، وكذا الناس، ونحن يتردد بعضنا على الآخر في الأعياد والمناسبات المختلفة.
ـ كيف معاملة الأولاد لك؟ وما وصية الإمام في ذلك المجال؟
ـ إن الأولاد يحترمونني كثيراً، وقد كان الإمام أوصى السيد أحمد العزيز أن يواظب وأن يتلافى ما فاته، وتداركه بالنسبة للوالدة.
ـ كان الإمام يمتدح دائماً تحملك وصبرك وعفوك كما كان يوصي بك. ونحن شهدنا دورك في نضال الإمام، وشهدنا تعرجات حياتك المشتركة وهبوطها وصعودها، ومعاناتك الغربة في النجف والبُعد عن الأطفال و رغم ذلك لم نشهد شكاوى أو مخالفة واعتراض على الإمام. وقد كان الإمام نفسه يكرّر حكايته لهذه النقطة. ما توقعاتك من الأولاد؟
ـ أتوقع منهم الاحترام ما دمت حية كما احترموني إلى الآن. وأنا راضية عن الجميع؛ عن أحمد العزيز وبناتي وزوجة ابني، الجميع جيدون جداً.

المصدر:مجلة ندا

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء