حضرة السيد غورباتشوف! لا بد من مواجهة الحقيقة

حضرة السيد غورباتشوف! لا بد من مواجهة الحقيقة

حضرة السيد غورباتشوف! لا بد من مواجهة الحقيقة ان مشكلة بلدكم الرئيسة لا تكمن في قضايا الملكية والاقتصاد والحرية، وانما في عدم الإيمان الحقيقي بالله.

رسالة الامام الخميني (قدس سره) إلي ميخائيل غورباتشوف (رئيس الهيئة الرئاسية للاتحاد السوفيتي آنذاك ) في 11 دي 1367 ه-. ش/ 22 جمادى الأولى 1409 ه-. ق‏ لدعوته إلى الإسلام وبيان عجز الفكر المادي عن توفير احتياجات البشرية، والتنبؤ بهزيمة الماركسية

بسم الله الرحمن الرحيم‏

فخامة السيد غورباتشوف، رئيس الهيئة الرئاسية لاتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفيتية.
مع التمنيات بالتوفيق والسعادة لكم وللشعب السوفيتي.
نظراً إلى أن تصديكم للقيادة قد أوجد شعوراً بأن فخامتكم يقف على اعتاب مرحلة جديدة من المراجعة والتغيير والتحول في تحليل الأحداث السياسية العالمية لا سيما بالنسبة لقضايا الاتحاد السوفيتي، آمل أن تكون جرأتكم وشجاعتكم في التعامل مع الواقع منشأ تحول وسبباً في تغيير المعادلات الراهنة التي تسود العالم؛ حيث رأيت من الضروري التذكير ببعض القضايا.
على الرغم من أن توجهاتكم وقراراتكم الجديدة من الممكن أن لا تتعدى مجرد اسلوب في حل المعضلات الحزبية جنباً إلى جنب مع بعض مشاكل شعبكم، الا أن هذا القدر من الشهامة في إعادة النظر بالأفكار التي كبلت الأبناء الثوريين في العالم بقيود حديدية على مدى سنوات طويلة، يستحق الثناء والتقدير.
وإن كنتم تفكرون في أبعد من ذلك، فان من أولى القضايا التي ستكلل جهودكم بالنجاح هي- بالتأكيد- إعادة النظر في سياسة اسلافكم المتمحورة حول «محاربة الله» واستئصال الدين من المجتمع، التي الحقت دون شك ضربة قاصمة بكيان الشعب السوفيتي. واعلموا أن التعامل الواقعي مع القضايا العالمية لا يتأنى إلا عن هذا الطريق.
من الممكن باطبع أن يبدو العالم الغربي أمامكم جنان خضراء، نتيجة للأساليب المنحرفة والنهج الخاطئ لأقطاب الشيوعية السابقين في المجال الاقتصادي؛ بيد أن الحقيقة شئ آخر.
إن كنتم في هذه المرحلة تبحثون عن حلول لمعضلات الاقتصاد الاشتراكي والشيوعي المستعصية، من خلال اللجوء فحسب إلى مركز الرأسمالية الغربية فقط ، فانكم لا تداوون جراح مجتمعكم فحسب، وانما ينبغي أن يأتي الاخرون بعدكم لتصحيح أخطائكم! ذلك أن الشيوعية إذا ما وصلت اليوم إلى طريق مسدود في نهجها الاقتصادي والاجتماعي، فان العالم الغربي أيضاً يعاني من هذه المسائل ومسائل أخرى ولكن بشكل آخر.
حضرة السيد غورباتشوف! لا بد من مواجهة الحقيقة ان مشكلة بلدكم الرئيسة لا تكمن في قضايا الملكية والاقتصاد والحرية، وانما في عدم الإيمان الحقيقي بالله. وهي ذات المشكلة التي قادت الغرب وستقوده إلى الانحطاط والطريق المسدود. لأن مشكلتكم الحقيقية تكمن في محاربتكم الطويلة والعقيمة لله ومبدأ الوجود والخلق.
حضرة السيد غورباتشوف! من الواضح للجميع أنه من الآن فصاعداً يجب البحث عن الماركسية في متاحف التاريخ السياسي في العالم. فالشيوعية لم تلبي أية حاجة من الاحتياجات الواقعية للإنسانية، لأنها مذهب مادي وليس بوسع المادية إنقاذ البشرية من مأزق عدم الإيمان بالمعنويات الذي يمثل ابرز الآلام التي تعاني منها المجتمعات البشرية في الغرب والشرق.
حضرة السيد غورباتشوف! من الممكن أن لا تتخلى عن الماركسية على الصعيد النظري في بعض الجوانب، وتحرص من الآن فصاعداً على الأعراب عن إيمانكم الكامل بها، غير أنك شخصيا تعلم بأن الواقع غير ذلك. فزعيم الصين (ماو تسي تونغ) كان قد وجّه الضربة الأولى للشيوعية وها أنتم توجهون لها الضربة الثانية، ويبدو أنها ليست الضربة القاضية. فاليوم لم يعد في العالم شي‏ء اسمه «الشيوعية». ولكن اطلب منكم باصرار أن تحذروا الوقوع في سجن الغرب والشيطان الأكبر(أميركا)، وانتم تحطمون جدران أوهام الماركسية.
آمل أن تنالوا الشرف الحقيقي في إنجاز مهمة التخلص من الأوكار المتهرئة المتبقية جراء سبعين عاماً من انحراف العالم الشيوعي، ومحوها من صفحة التاريخ ومن بلدكم. فالحكومات الأخرى الحليفة لكم ممن تنبض قلوبها من أجل بلدانها وشعوبها، لم تعد مستعدة اليوم لإهدار ثروات بلدانها وخيرات شعوبها من أجل البرهنة على جدوى الشيوعية التي وصلت اصداء تهشم عظامها إلى اسماع أبناء هذه البلدان.
السيد غورباتشوف! عندما تعالى نداء «الله أكبر» والشهادة برسالة خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم من مآذن مساجد بعض جمهورياتكم بعد سبعين عاماً، انهمرت دموع الشوق من عيون انصار الإسلام المحمدي الأصيل صلى الله عليه وآله كافة، الأمر الذي ألزمني بأن أذكركم بضرورة التفكير ثانية بالرؤيتين الكونيتين المادية والإلهية. فالماديون آمنوا ب- «الحس» معياراً للمعرفة في رؤيتهم الكونية واعتبروا كل ما هو غير محسوس خارجاً عن دائرة العلم. وتبعاً لذلك اعتبروا عالم الغيب نظير وجود الله تبارك وتعالى والوحي والنبوة والمعاد، ضرباً من الاساطير.
في حين إن معيار المعرفة في الرؤية الكونية الإلهية يشمل «الحس والعقل». وان ما يدركه العقل يدخل في دائرة العلم وإن لم يكن محسوساً. لهذا فالوجود يشمل عالمي الغيب والشهادة، والذي يفتقد للمادة من الممكن أن يكون له وجود. ومثلما يستند الوجود المادي إلى (المجرد)، فالمعرفة الحسية تستند إلى المعرفة العقلية أيضاً.
إن القرآن المجيد ينتقد أساس التفكير المادي ويرد على الذين يتوهمون عدم وجود الله لأنه لا يُرى: «.. لن نُؤمن لكَ حتى نَرى الله جَهرةً» (سورة البقرة، الآية 55)، قائلًا: «لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير» (سورة الأنعام، الآية 103).
وإذا تجاوزنا القرآن العزيز والكريم واستدلالاته بشأن الوحي والنبوة والمعاد، حيث تعد من وجهة نظركم أول البحث، فاني لا أرغب أصلًا بزجكم في تعقيدات مباحث الفلاسفة، لا سيما الفلاسفة الإسلاميين، ولكن سأكتفي بذكر مثالين بسيطين من الممكن إدراكهما فطرياً ووجدانياً وبوسع الساسة الاستفادة منهما أيضاً.
من البديهي أن المادة والجسم مهما كانا فهما يجهلان ذاتهما. فالتمثال الحجري أو الجسم المادي للإنسان، يجهل كل طرف منه الطرف الآخر. في حين نشهد عياناً ان الإنسان، وكذا الحيوان، يعي كل ما من حوله. يعلم أين هو، وماذا يجري من حوله، والصخب الدائر في العالم. إذن فهناك شي‏ء آخر في الإنسان والحيوان فوق المادة وبمعزل عن عالمها، وهو باق لا يموت بموت المادة.
إن الإنسان في فطرته ينشد الكمال بنحو مطلق. وكما تعلمون أن الإنسان يتطلع لأن يكون القوة المطلقة في العالم، ولن يعبأ بقوة ناقصة. ولو أنه أمتلك العالم وقيل له ثمة عالم آخر، لرغب فطرياً في ضم ذلك العالم لسلطته أيضاً. ومهما بلغ الإنسان من العلم وقيل له أن هناك علوم أخرى، فأنه يرغب فطرياً في تعلّم العلوم أيضاً. إذن، لا بد أن تكون هناك قوة مطلقة وعلم مطلق كي يتعلق بهما الإنسان وهذا هو الله تبارك وتعالى الذي نتوجه إليه جميعاً وإن كنا نجهل ذلك .. الإنسان يريد أن يصل إلى «الحق المطلق» كي يفنى في الله. الواقع أن هذا الشوق إلى الحياة الأبدية المتأصل في وجود كل إنسان، دليل على وجود عالم الخلود المنزّه من الموت.
فإذا ما رغب فخامتكم بالبحث في هذه الموضوعات، بإمكانكم أن تطلبوا من المتخصصين في هذه العلوم ذلك فضلًا عن مؤلفات الفلاسفة الغربيين في هذا المجال . ما كتبه الفارابي (من كبار الفلاسفة الإيرانيين‏) وأبو علي بن سينا (طبيب وفيلسوف ومؤلف إيراني يعد من كبار الحكماء والعلماء على صعيد العالم‏)- رحمة الله عليهما في حكمة المشاء، يتضح أن قانون العلة والمعلول الذي تستند إليه كل انواع المعرفة، هو معقول وليس محسوساً. وان درك المعاني العامة وكذلك القوانين الكلية التي يعتمدها الاستدلال، أمر معقول وليس محسوساً. وكذلك الرجوع إلى مؤلفات السهروردي (من كبار الفلاسفة الإيرانيين‏)- رحمة الله عليه في الحكمة الاشراقية؛ ليشرحوا لفخامتكم كيف أن الجسم، وكل موجود مادي آخر، بحاجة إلى النور المجرد المنزه من الحس. وأن إدراك الإنسان الشهودي لحقيقته منزه من الظواهر الحسية.
واطلبوا من كبار الاساتذة الرجوع إلى الحكمة المتعالية لصدر المتألهين (من عظام الفلاسفة والحكام)- رضوان الله تعالى عليه وحشره الله مع النبيين الصالحين ليتضح: ان حقيقة العلم هي هذا الوجود المجرد عن المادة، وان جميع الافكار منزهة عن المادة وغير خاضعة لأحكامها.
لا أطيل عليكم بذكر كتب العرفاء لا سيما محي الدين بن عربي (من كبار الحكماء والفلاسفة الإسلاميين‏). فإذا رغبتم بالاطلاع على بحوث هذا العظيم، يمكنكم إرسال عدد من خبرائكم البارعين ممن لهم باع طويلة في مثل هذه الموضوعات، للتوجه إلى مدينة قم كي يتسنى لهم بعد عدة سنوات وبالتوكل على الله تعالى، الاطلاع على إبعاد منازل المعرفة الواسعة والادق من الشعرة. لأنه من دون هذه الرحلة لا يتسنى الاطلاع على ذلك.
حضرة السيد غورباتشوف! الآن وبعد ذكر هذه الموضوعات والمقدمات، أطلب منكم أن تدرسوا بدقة وجدية الإسلام. لا لأن الإسلام والمسلمين بحاجة إليكم، وانما للقيم السامية والرؤية الشمولية التي يتسم بها والتي بوسعها أن تمثل أداة لإنقاذ الشعوب ورخائها، وإيجاد حلول للمشكلات الرئيسية التي تعاني منها البشرية.
إن رؤية الإسلام الجادة بوسعها ان تنقذكم والى الأبد من مأزق أفغانستان والمآزق الأخرى المشابهة في العالم .. إننا نعتبر المسلمين في العالم كمسلمي بلدنا ونرى أنفسنا شركاء في مصيرهم على الدوام.
إنكم ومن خلال السماح إلى حد ما بإقامة الشعائر الدينية في بعض الجمهوريات السوفيتية، برهنتم على أنكم لم تعودوا تؤمنون بأن الدين أفيون الشعوب (الشعار الذي رفعه لينين إبان الثورة البلشفية).
حقاً هل الدين الذي جعل إيران تصمد أمام القوى العظمى كالجبل الشامخ، هو أفيون المجتمع؟. هل الدين الذي يدعو إلى تطبيق العدالة في العالم ويطالب بتحرير الإنسان من القيود المادية والمعنوية، هو أفيون المجتمع؟
اجل، ان الدين الذي يتحول إلى أداة لوضع الثروات المادية والمعنوية للبلدان الإسلامية وغير الإسلامية، تحت تصرف القوى العظمى والكبرى، ويصرخ بوجه الجماهير أن لا علاقة للدين بالسياسة، هو أفيون الشعوب. غير أن مثل هذا الدين لم يعد ديناً حقيقياً وانما دين يسميه شعبنا «الدين الأميركي».
وفي الختام أقول بكل صراحة: ان الجمهورية الإسلامية الإيرانية باعتبارها أكبر وأقوى قاعدة للعالم الإسلامي، بوسعها وبكل سهولة، ان تملأ الفراغ العقائدي لنظامكم. ومهما يكن فان بلدنا يؤمن كما في السابق بمبدأ حسن الجوار والعلاقات المتكافئة ويحترم ذلك. والسلام على من اتبع الهدى.
صحيفة الإمام (الترجمة العربية)، ج‏21، ص:206- 202

وصل الوفد الذي حمل رسالة الإمام الخميني، موسكو في 13/ 10/ 1367 وكان برئاسة آية الله السيد عبد الله جوادي آملي وعضوية السيد محمد جواد لاريجاني والسيدة مرضية حديده جي( دباغ). وبعد عودته إلى طهران كتب آية الله جوادي آملي شرحاً مفصلًا لرسالة الإمام الخميني هذه قامت بنشره مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني في كتاب حمل عنوان« دعوة إلى التوحيد».    

 

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء