العلاقة بين الإمام الخميني و الشعب في الثورة

العلاقة بين الإمام الخميني و الشعب في الثورة

في قضية سلمان رشدي التي تعتبر مسألة خارجية بالنسبة لبلدنا، عندما صدرت الفتوى كنا قد شهدنا مدى ردود الأفعال الدولية التي أثارتها هذه الفتوى وكيف أنها شكلت معضلة للدول الغربية.

الدكتور منوجهر محمدي

لدى دراسات الثورات يحظى الركنان الأساسيان (القيادة والجماهير) والتعامل فيما بينهما، بأهمية خاصة. وقد قاد ذلك إلى تصنيف نظريات الثورة بناءً على الأهمية التي توليها إلى كل من هذين المحورين، إلى فئتين:

الأولى – النظريات المتمحورة حول الجماهير

لا شك في أن الجماهير بمعناها العام، كانت موضع اهتمام ورعاية خاصة في كافة النهضات والثورات السياسية – الاجتماعية، باعتبارها المحور الرئيسي لهذه النهضات. فالجماهير تحظى بأهمية خاصة إما لأن الثورة جاءت لإنقاذهم وخدمتهم، أو أنها استعانت بهم واعتمدت عليهم. أو أن الجماهير ذاتها اضطلعت بدور رئيسي في الكثير من التحولات السياسية – الاجتماعية التي شهدتها الثورة.

وفيما عدا الانقلابات العسكرية التي تقوم بها عدة معدودة، فإن دور الجماهير يشاهد في التحولات السياسية – الاجتماعية بوضوح وبشكل بارز..

الثورة أيضاً، التي تعد من أكثر أنواع التحولات السياسية – الاجتماعية تكاملاً، لن تجد لها مصداقية أو مفهوم بدون حضور الجماهير ومشاركتهم. وفي الحقيقة أن أحد أركان الثورة(1) الثلاثة، يتمثل بالمشاركة الجماهيرية الفاعلة في معترك التحولات الثورية. ولهذا تنظر بعض المدارس إلى الجماهير بمثابة العامل الرئيسي في انتصار الثورة، وتؤمن بأن المشاركة الشعبية تضطلع بدور رئيسي في تحقيق هذا النصر.

طبعاً لا يوجد تعريف واضح ودقيق لمفردة الجماهير، وان كل مدرسة وانطلاقاً من الدور الذي تضطلع به فئة معينة ناشطة ومؤثرة في التحولات السياسية – الاجتماعية، تحاول أن توجد لها تعريفاً وتصوراً خاصاً للجماهير. فالشيوعية ترى في الطبقة العمالية فحسب، لا سيما العمال الواعين، وبتعبير آخر البروليتاريا، بمثابة الطبقة المنتجة والثورية. وتعقد الليبرالية آمالها على الطبقة المتوسطة والمثقفة في المجتمع وتعتبرها القوى الطليعية المؤثرة في كل مجتمع بما في ذلك التحولات السياسية – الاجتماعية لا سيما الثورات، وتعتمد على نشاط المفكرين والتحركات الثقافية والأحزاب.

فعلى سبيل المثال لا يمكن تجاهل دور طبقة النبلاء وبالتالي البرجوازيين في الثورة الفرنسية(2). في حين استندت الثورة الكوبية بشكل أساسي إلى المقاتلين والميليشيات المسلحة. وقد انتصرت الثورة الصينية باعتمادها على المزارعين. وفي الثورات الأخرى يمكن التعرف على المحور والدافع الرئيسي لها إذا ما تأملنا قليلاً في مسيرتها.

ولكن إذا ما تأملنا قليلاً فسوف نرى أن ما يطلق عليه في كافة المدارس المعاصرة اسم (الجماهير)، انما يشكل جانباً من الجماهير فقط وان القوى المحركة أو صاحبة الثورة لا تعمم على كافة فئات الشعب.

الثانية: النظريات المتمحورة حول القائد

إن بعض النظريات تعتبر انتصار الثورة أو هزيمتها رهن قائدها أو قيادتها فحسب. وتعتقد بأن دور القيادة ومؤهلاتها هي التي تؤدي إلى تعبئة الجماهير ومساهمتها في الثورة.. وأن معظم هذه النظريات ترى ثمة قوة كاريزمية لدى القائد، وتعتبر الثورة متمحورة حول شخصية القائد. ولعل أحد أبرز النظريات التي تؤمن بالقوة الكاريزمية، نظرية ماكس ويبر إذ يرى:

في السياسة التي سمتها الحكم، ثمة ثلاثة أنواع من السلطة ذات صلة بثلاثة أنواع من السلوك: العقلاني، والتقليدي، والكاريزمي. ويقوم هذا التقسيم على أساس السمة الخاصة بالدوافع التي تستمد وجودها من الاطاعة. فالسلطة العقلانية تستند إلى الاعتقاد بقانونية الأوامر وقانونية موقعية الأشخاص الذين يمارسون السلطة، حيث تبنى السلطة على الإيمان بقداسة التقاليد القديمة ومشروعية مَنْ تفوض إليهم مهملة ممارسة السلطة.

بيد أن السلطة الكاريزمية تبنى على التضحية غير العادية إزاء الشخص الذي تكون قداسته أو قواه البطولية الشخصية، أو النظم الملهم الذي يتسم به، مبرراً لذلك. وان بوسع كل من العقلانية والكاريزمية أن يوجدا تحولاً ثورياً ضد التقاليد، مع هذا الفارق وهو أن القوة العقلانية تؤدي في البداية إلى تغيير المحيط الاجتماعي ومن ثم تحول الرؤية الكونية للجماهير، بيد أن الكاريزما تحدث تحولاً في الحياة الباطنية للأفراد أولاً.

وعلى الرغم من أن ويبر لا يعتبر جميع السلطات الكاريزمية ثورية، كما أنه لا ينظر إلى جميع الثورات على أنها كاريزمية، إلا أنه يعتبر الكثير من الثورات الحديثة تتحلى بسمة الكاريزما.

وبشكل عام يعتبر النفوذ الكاريزمي من أكثر الوسائل رواجاً لإسقاط الأنظمة التقليدية والقانونية، وبالتالي يتمتع بالقوة الثورية. وتتمحور القوة الكاريزمية حول الخصائص الاستثنائية التي يتمتع بها القائد، أو الاتباع والمضحون الذين ينتسبون إليه. ويكمن أساس هذه القوة في إيمان الاتباع بالسمات الخاصة والاستثنائية التي تتحلى بها الشخصية الكاريزمية.

فالكاريزما عبارة عن علاقة روحية بين المريد والقائد، وان القيادة الكاريزمية تتضح في حالة الحركة الكاريزمية فقط. فالقوة الكاريزمية ليس لها أسس عقلانية أو تقليدية وإنما تستند إلى العلاقة العاطفية والروحية. وتتسم القوة الكاريزمية بسياسة تفرض من قبل الشخصية الكاريزمية على المخاطبين قبولها باعتباره قائداً دون أي ترديد. وان القائد الكاريزمي يحدث تغييراً في المسار الاعتيادي للتوجهات السياسية، ويثير الشكوك إزاء مشروعية القوة القائمة من خلال طرح فهم جديد، وعبر رفضها للماضي تتحول الجماهير إلى قوة ثورية.

وان الكاريزما بحاجة إلى تحرك دائمي، وان هذا النوع من الإقتدار يتجلى عموماً في مراحل الاختناق والاضطهاد الروحي والجسدي والاقتصادي والأخلاقي والديني والسياسي للمجتمع. فالاحتجاجات الاجتماعية – السياسية تقترن بظهور شخصية تعتبر نفسها حاملة لواء رسالة جديدة، وتمتلك القدرة على إيجاد علاقة عاطفية مع الجماهير، وتتصف بخصائص وسمات استثنائية. أو أن المريدين والاتباع يتصورون بأنها – الشخصية – تتحلى بمثل هذه الصفات، وتكون النتيجة إيجاد تحولات اجتماعية وفكرية.(3)

ومع الأخذ بنظر الاعتبار كل ما قيل لدى دراسة الثورة الإسلامية، وبالالتفات إلى اعتراف معظم الباحثين والمراقبين بأن الثورة الإسلامية كانت من أكثرالثورات، بل في الحقيقة أكثر الثورات شعبية.(4) ومن جهة أخرى، لا يمكن تجاهل دور قيادة الإمام الخميني في هذه الثورة، وكما قال سماحة آية الله السيد الخامنئي: (إن هذه الثورة بدون اسم الخميني لن تعرف في أي نقطة من العالم). ومن هنا تكتسب محاولة التعرف على إبعاد العلاقة بين الجماهير والقيادة أهميتها.

وكي يتسنى لنا الإجابة عن هذا التساؤل: لماذا اخفقت النهضات السياسية – الاجتماعية السابقة، أمثال الحركة الدستورية وحركة تأميم صناعة النفط، في تحقيق أهدافها على الرغم من شعبيتها وأدّت في النهاية إلى اعتزال الجماهير الساحة. غير أنه خلال الثورة الإسلامية، وعلى الرغم من كل الدعم الدولي الذي كان يحظى به النظام الشاهنشاهي، استطاعت الجماهير ومن دون اللجوء إلى السلاح، اسقاط القوة الجبارة التي كانت بحوزة شاه إيران، بل حافظت طوال الخمس والعشرين سنة الماضية على وجودها الفاعل في الساحة والتصدي لكافة الدسائس والمؤامرات والأزمات الخانقة بكل اقتدار.

وهنا وضمن التعرف على ابعاد العلاقة بين الإمام والجماهير، لابد من التأمل في تصور الإمام لطبيعة المشاركة الشعبية والنهج الذي آمن به سماحته في التعامل مع الجماهير.

وفي نظرة سريعة إلى مسيرة نضال الثورة الإسلامية ومواقفها، وكذلك من خلال استقراء آراء الباحثين، يمكن مشاهدة ابعاد قيادة الإمام الخميني لهذه الثورة والتعرف عليها في ثلاث صور وثلاثة أدوار:

الإمام الخميني بصفته قائداً يتجلى بالكاريزمية.

الإمام الخميني بصفته زعيماً دينياً في موقع المرجعية.

الإمام الخميني بصفته مرشداً وموجّهاً.

 أولاً – الإمام بصفته قائداً يتحلى بالكاريزمية

كما أسلفنا، واستناداً إلى وجهة نظر ماكس ويبر، أن التحرك الثوري في معظم الثورات الناجحة قائم على قرارات شخص واحد يتمتع بالنفوذ الكاريزمي، وأن هذه القرارات تنتقل إلى مرحلة التنفيذ في الغالب بناءً على العلاقة المنبثقة عن الحب والعواطف. وبالتالي فان نوعية هذه القرارات وطبيعتها رهن السمات الشخصية للقائد فحسب. غير أنه، وكما هو واضح، حتى لو كانت مثل هذه القرارات غير منطقية، إلا أنه ونظراً لأن أساس العلاقة قائم على العواطف والإحاسيس، فان الجماهير تلتزم بها وتحرص على تطبيقها بكل شوق ورغبة، دون أن يشعر اتباع هذا النوع من القرارات أي رغبة في أنفسهم بمناقشتها وتقيمها بشكل دقيق وعميق.

إن هذا النوع من القيادات يشاهد في معظم الثورات المعاصرة. فعلى سبيل المثال خلال أحداث الثورة الصينية بقيادة ماوتسي تونغ كانت عملية التراجع والانسحاب التي عرفت بالمسيرة الطويلة، قد تمت بأمر من مايوتسي تونغ، (وقد هلك خلال هذه المسيرة أكثر من خمسين ألف شخص من المائة ألف الذين كانوا يشكلون العمود الفقري لجيش ماوتسي تونغ)(5). كان ذلك في وقت وعلى حد قول أحد اتباع ماوتسي تونغ: (إن الهدف من هذه الخطوة لم يكن مجرد الهروب من أمام قوات جيان كاي جك، ذلك أنه وبعد ستة أشهر حيث بدأ فصل الشتاء، قلل جيش كومين تانك، الذي كان يلاحق الفارين بضراوة، من ضغوطه، غير أن ماوتسي تونغ كان يفكر بمواصلة التراجع والانسحاب حتى يتسنى للشيوعيين الوصول إلى منطقة نائية وآمنة. وكان يخطط لأن يعمل في تلك المنطقة النائية على إيجاد تشكيلات سليمة للحزب الشيوعي والقوات المناصرة له)(6).

بالالتفات إلى البحوث التي انجزت لحد الآن حول الثورة الإسلامية، نرى الكثير من المفكرين يؤكدون على دور الكاريزما التي كان يتمتع بها الإمام الخميني في انتصار الثورة، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى مقال: (تقييم نظرية الكاريزما في تطابقها مع واقعية الثورة الإسلامية) حيث يعتقد كاتبها: (لا شك إذا ما تسنى لنا العثور على مصداق لنظرية ويبر حول الكاريزما في عالمنا العاصر، فان قيادة الإمام الخميني للثورة الإسلامية الإيرانية ستكون الابرز في هذا المجال. ولهذا حظيت نظرية ويبر، خاصة بعد انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية والتحولات السياسية – الثقافية التي اعقبتها، بنوع من الاقبال من جديد، وان جانباً مهماً من الجهود الفكرية التي كرست لدراسة هذا الحدث كان متأثراً بشكل مباشر وغير مباشر بالإنجازات الفكرية لماكس ويبر)(7).

لا شك في أن الإمام الخميني كان يتحلى بأبرز سمات الكاريزما، وان صور الحب والمودة التي تكنها الجماهير لسماحته يمكن مشاهدتها بكل سهولة من خلال انشداد أبناء الشعب إليه، وقد تجلت نماذج لهذه العلاقة والإنشداد في مراسم استقبال سماحته اثناء عودته إلى إيران، وأثناء خطابات سماحته، وحتى بعد رحيله في مراسم تشييع جنازته (قدس سره).

بيد أنه ومن خلال المزيد من التأمل، ندرك بأن العلاقة بين الإمام والجماهير وقبل أن تكون علاقة قائمة على أساس سلطة ونفوذ كاريزما سماحة الإمام، إنما هي علاقة قائمة على أساس المنطق والعقلانية. وطوال فترة قيادة الإمام لم يصدر عن سماحته موقفاً ما لم يتم إعداد الأرضية اللازمة لتهيئة إذهان الجماهير إليه، وتوضيح الدلائل التي دفعته إلى اتخاذ مثل هذا الموقف بكل صراحة وببيان بليغ ومعبر. والأكثر طرافة من ذلك هو أنه حتى في الحالات التي يكون لدى فئات كثيرة من أبناء الشعب فهماً آخر غير وجهة نظر الإمام، فان مجرد تصريح أو تلويح من سماحته كان يكفي لإقناع الجماهير بالعدول عن موقفها. ومع ذلك، فما لم تقتنع الجماهير بحقيقة الموقف فان سماحته لم يكن يلتزم الصمت فقط وانما كان يسمح للجماهير بالتعبير عن قناعاتها والتعرف على صحة مواقفها أو خطأها عملياً. علماً أن الإمام كان يلجأ إلى مثل هذا الموقف رغم الحب والود الذي كانت الجماهير تكنه لسماحته بحيث أنها كانت تستجيب على الفور لأي أوامر كان يصدرها سماحته دون أدنى تردد.

وبهذا النحو يمكن الاستنتاج بأنه ورغم توافر السمات الكاريزمية الخاصة بالقائد في شخصية الإمام، ورغم الاواصر الوثيقة والاستثنائية التي كانت تربط الجماهير بسماحته، إلا أن العلاقة بين القيادة والجماهير في الثورة الإسلامية لم تكن قائمة على الجانب الكاريزمي، أو بتعبير أكثر وضوحاً: إن الإمام لم يحاول استغلال هذا الجانب كوسيلة لنفوذه وتسلطه على الجماهير، أو اتباع الجماهير وتقليدهم له تقليداً اعمى.

ثانياً – الإمام الخميني بصفته مرجعاً دينياً

من الواضح أن باب الاجتهاد مفتوح لدى المذهب الشيعي، وان ذلك لم يؤد إلى نمو وازدهار الفقه الشيعي فقط وانما اضفى أهمية خاصة على مسألة الاجتهاد والتقليد لدى التشيع من جانبين:

الأول، ان الفقهاء يتمتعون بالخبرة والوعي بالنسبة للأمور المتعلقة بالمسائل الشرعية ويتعاطون معها من منطلق العدالة الإسلامية. والثاني، أن التقليد الديني يتسم بالتعبد المقرون بالانتخاب الواعي. ولهذا ينبغي للشيعي إما أن يكون مجتهداً مدركاً لكافة المسائل الفقهية والعلوم المرتبطة بها، أو مقلداً للمجتهد الجامع للشرائط من قبيل العدالة والفقاهة وصاحب رسالة عملية في الأحكام الفقهية.

ونظراً لعدم توفر إمكانية الإتصال بمراجع التقليد للجميع لأسباب عديدة، فمن الطبيعي أن يضطلع الروحانيون بدور الرابط والناقل لأفكار وفتاوى هؤلاء المراجع. ومن دون أن تكون هناك سلسلة من المراتب الخاصة، يضطلع الروحانيون بدور هام بمثابة وسطاء بين كبار الزعماء الدينيين والجماهير، حيث يقومون باطلاع الناس في المساجد ومن فوق المنابر على آراء وفتاوى مراجع الدين، وفي الوقت نفسه إحاطة الزعماء الدينيين بمعاناة الناس وهمومهم.

ومع الأخذ بنظر الاعتبار ما تمت الإشارة إليه أعلاه، فقد استطاع علماء الدين الشيعة ومن خلال اكتسابهم لنفوذهم الخاص، أن يضطلعوا بدور حساس ومهم في الحركات السياسية – الاجتماعية التي شهدتها البلاد لا سيما في القرن الأخير. وقد ساعدهم ذلك في كسب النضال ضد السلطة السياسية الحاكمة في كل مرة.(8)

ويدلنا تاريخ إيران الحديث على أن دور مراجع الدين في بلورة النهضات وانتصارها يحظى بأهمية كبيرة للغاية، ونظراً لأن فتاوى المراجع تعتبر بمثابة حكم الرسول الأكرم وتعد إطاعتها واجبة، لذا فان بوسع المراجع في الأزمات السياسية دفع الجماهير إلى المعترك السياسي من خلال اصدار الفتوى، ومن ثم الإستفادة من دعم الجماهير وإطاعتهم في تحقيق أهداف التحرك. وان هذه القدرة هي ذاتها التي استطاعت، بفضل الفتوى التي اصدرها الميرزا الشيرازي بتحريم التنباك، أن تلغي بكل سهولة ومن دون إراقة دماء أو خلق اضراب، الاتفاقية الدولية واعتبارها تتعارض مع المصالح الوطنية. والشيء نفسه تكرر عندما اصدر مراجع التقليد حكم الجهاد ضد روسيا القيصرية مما اضطر الساسة المحليين والأجانب إلى تغيير مواقفهم.

وبهذا النحو شكلت القوة الدينية الفائقة لمراجع الدين الشيعة سلاحاً ماضياً يتم اللجوء إليه للمضي قدماً بتحقيق الأهداف الوطنية والدينية كلما اقتضت الضرورة إلى ذلك. ومثل هذا يشبه إلى حد كبير القوة والسلطة التي يتحدث عنها ماكس ويبر تحت عنوان (السلطة والقوة التقليدية).

إن السمة الروحانية التي اتسمت بها شخصيات امثال آية الله الكاشاني والمرحوم المدرس والكثير من علماء الدين بما فيهم الشيخ فضل الله نوري والسيد البهبهاني وآخرين، ساعدت كثيراً في دفع الجماهير للتواجد في ساحة التحولات الاجتماعية خلال نهضات نظير الحركة الدستورية وحركة تأميم صناعة النفط. ولكن ونظراً إلى أن أياً من هؤلاء القادة لم يكن في موقع مرجع التقليد، لذا لم يتمكن من الإستفادة بشكل كامل من اقتدار المرجعية في المضي قدماً بأهدافه السياسية – الاجتماعية.

إن الجماهير وانطلاقاً من إيمانها بالإمامة واستمرارها في نظام ولاية الفقيه، تقبل قيادة الفقيه الجامع للشرايط المجسد للايديولوجية، وان القدرة والنفوذ المعنوي الذي يتمتع به الفقيه بموقع مرجع التقليد، إنما هي بمثابة الهيمنة على القلوب والطاعة في كافة شؤون الحياة، وعلى هذا الأساس تكتسب فتواه حكم الله. وان اتباع الولي الفقيه إنما هو إطاعة لأمر الإمام وفي النهاية إطاعة لرسول الله، حيث يعلن القرآن بكل صراحة: (ومن يطع الرسول فقد اطاع الله...)(9).

إن اطلاق سمة الحجة على الفقيه العادل التي وردت في النصوص الإسلامية، يوجد مثل هذا الاعتقاد والتصور وهو أن مثل هذه القوة تعتبر أبعد من إطاعة القوى المادية. إذ أنها بدرجة من العمق والفاعلية دفعت بعض المفكرين للإشارة إلى مرجعية الإمام الخميني باعتبارها أحد أكثر عناصر انتصار الثورة الإسلامية أصالة. وفي هذا الصدد يذكر مقال حمل عنوان (مؤسسة المرجعية في مرحلة النهضة والنظام): أن شخصية الإمام الخميني كانت تتصف ببعدين، فمن جهة كان سماحته يعتبر مرجعاً للتقليد، ومن جهة أخرى، مصلحاً مناضلاً تحررياً، وفي كلمة واحدة هو (مرجع مصلح)، وان سرّ نجاح قيادة الإمام يكمن في هذا الجانب أيضاً. ذلك أن نفوذ وشعبية الإمام قائمة على أساس (التقليد)، وان لغة قيادة سماحته هي (لغة التكليف)، وان الجماهير كانت قد أنست مع هذا الأساس ومع هذه اللغة منذ فترة طويلة.)(10).

من خلال دراستنا للحياة السياسية لسماحة الإمام وفترة الخمسة والعشرين سنة من قيادة الثورة الإسلامية، نلحظ أنه وعلى الرغم من تمتع سماحته بموقعية المرجعية وان كل فتوى كان يصدرها كانت تطاع من قبل المقلدين لسماحته دون أدنى تردد، بحيث أنه في قضية سلمان رشدي التي تعتبر مسألة خارجية بالنسبة لبلدنا، عندما صدرت الفتوى كنا قد شهدنا مدى ردود الأفعال الدولية التي أثارتها هذه الفتوى وكيف أنها شكلت معضلة للدول الغربية. غير أن سماحته وطوال فترة النضال ومراحل قيادة الثورة، قلما لجأ إلى الإستفادة من مثل هذه الموقعية والصلاحيات التي يتمتع بها إلا في مواضع محدودة للغاية. طبعاً فيما عدا بعض المواضع، فان الأفكار التي تمت الإشارة إليها يراها رادعة إلى حد بعيد، أو يعتبرها منافية للأصول والموازين الإسلامية. وفي هذا الصدد واثناء انطلاقة نضاله في عام 1962، حرّم سماحته مبدأ (التقية) الذي يعتبر أحد المفاهيم الشيعية المسلّم بها، ومن خلال اطلاق مقولته: (التقية حرام، ومن الواجب الكشف عن الحقائق) استطاع أن يتخلص من عقبة مهمة كانت تعترض طريق نضال المسلمين المتدينين والمؤمنين.(11)

وفي ذروة نضال الشعب خلال العامين 78 – 1979، وعلى الرغم من تحمس الثوريين للجهاد المسلح، إلا أن الإمام امتنع عن اصدار أي حكم أو فتوى تقضي بوجوب الجهاد والمواجهة المسلحة ضد نظام الشاه وأعوانه. حتى أنه طوال فترة الحرب المفروضة وعلى الرغم من انه كان باستطاعته من خلال اصدار فتوى واحدة أن يلزم الجماهير بالتواجد في جبهات القتال، إلا أن سماحته ارتأى ضرورة أن يكون توجده الجماهير إلى جبهات القتال بوحي من وعيهم وبشكل طوعي.

وبناء على هذا يمكن أن نستنتج بأن الإمام الخميني ورغم تمتعه بصلاحيات المرجعية الدينية الإستثنائية، إلا أنه لم يحاول استغلال ذلك بشكل ملفت للمضي قدماً بأهداف قيادة الثورة، وانما كان يدعو إلى ما يشجع الجماهير على التواجد في الساحة. ومثل هذا جسّد نوعاً آخر من العلاقة بين القيادة والجماهير قلما تم الالتفات إليه، ويختلف تماماً عما تمت الإشارة إليه لحد الآن والذي هو قائم على أساس العلاقة الودّية والتعبدية. وبشكل عام، وكما ستتم الإشارة إليه فيما بعد، أن الإمام الخميني اعتمد أسلوباً آخر في مواصلة مسيرة الثورة وتوسيع نطاقها يعد فريداً من نوعه وكذلك استثنائياً في النضال والتحرك الثوري.

ثالثاً – الإمام الخميني بصفته مرشداً وموجّهاً

من خلال دراستنا لسيرة الإمام الخميني وارتباطه بالجماهير سواء في المراحل التي سبقت الثورة وبعد انتصارها، تستوقفنا ملاحظة مهمة وهي أن سماحته في اغلب المواقع لم يكن يمارس نشاطه بصفته قائداً يتمتع بالكاريزما، أو باعتباره مرجعاً دينياً فحسب، وانما بصفته معلماً ومرشداً أيضاً. إذ كان سماحته كان استاذاً نموذجياً في مضمار التعليم والتربية سواء على الصعيدين النظري والعملي معاً. فقد نجح بفضل أساليبه التربوية أن يجعل من المجتمع الذي كان يغط على مدى سنوات متمادية، بل طوال القرنين أو الثلاثة الأخيرة، في سبات وضعف وجهل وقد هيمن عليه نوع من التقاعس واللاإبالية، جعل من هذا المجتمع يقف في طليعة النهضة الدينية الكبرى وان يشهد تحولاً عظيماً.

كان سماحة الإمام يؤكد في تعامله مع الجماهير على البنى التحتية للثقافة وكان يقول: (الثقافة تشكل منطلقاً لمقومات سعادة الشعوب... وان ما يصنع الشعوب إنما هي الثقافة السليمة). ومن أجل توعية الجماهير هذه الثقافة الصحيحة كانت لدية أساليبه الخاصة منها:

المعرفة العميقة بالجماهير

إن الإمام الخميني وبوحي من احاطته الشاملة باعماق فئات المجتمع الإيراني، نجح بشكل استثنائي في تحريك هذه الفئات على طريق طموحاته وأهدافه. فعلى سبيل المثال أن الجماهير وبوحي من معتقداتها الدينية الراسخة وتمسكها بالشعائر التقليدية في أحياء مراسم العزاء لا سيما خلال شهر محرم الحرام، بحيث أنها تقف على أهبة الاستعداد – بالقوة – للتضحية والنهوض دفاعاً عن مقدساتها، إذ أن هذه الجماهير تتوارث على مدى قرون جيلاً بعد جيلا حزنها ومصابه على استشهاد الإمام الحسين (ع)، وتلعن يزيد وأعوانه، وكانت تتمنى لو أنها كانت في عصر نهضة الإمام الحسين كي يتسنى لها التضحية بالغالي والنفيس دفاعاً عن أهل بيت النبوة. وكان الإمام الخميني يلتقي هذه الجماهير في المساجد والتكايا والحسينيات، ومن خلال توجيهاته وإرشاداته حاول توعيتهم بأنه على الرغم من مضي قرون على عصر الثورة الحسينية إلا أنه يمكن مشاهدة مصاديقها في عصرنا الحاضر أيضاً. وحاول أن يلفت انظارهم إلى مصاديق حسين العصر ويزيد العصر. وعلّم الجماهير بأنه ينبغي لهم اليوم أن تتكاتف جهودهم وتتوحد قبضاتهم والنهوض في مواجهة يزيد العصر المتمثل في النظام البهلوي. وان الإمام الخميني هو الذي حرر بحكمته الفريدة، الطاقات  الهائلة التي بقيت مكبوتة لسنوات طويلة في قلوب الجماهير ووضعها في خدمة الثورة الإسلامية.

إنه الأمر الذي غفل عنه في الحقيقة الليبراليون وكذلك الماركسيون في السابق، أو أنهم لم يدركونه بشكل صحيح، وحتى لما تعرف الليبراليون على هذا الأمر بشكل محدود، ونظراً إلى أنهم لم يكونوا قادرين على تعبئة هذه الطاقات العظيمة حاولوا الاقتراب من علماء الدين من منطلق تكتيكي، ولكن ما أن وصلوا إلى السلطة تخلوا عنهم غافلين عن أنهم بحركتهم هذه سوف يفقدون دعم الجماهير وتأييدها أيضاً.

كان الإمام الخميني يؤمن حتى في تعاطيه مع هيكلية نظام الحكم بأن تركيبة النظام الجديد منبثقة من صلب هذا المجتمع ولن تختلف عن فئات الأخرى، وان ما يميزها هو طبيعة المهام الموكلة إليها فقط، وربما مستوى وعيها أحياناً. ولهذا ومن خلال توعيته لفئات المجتمع، نجح في زعزعة بنية النظام الحاكم من قاعدة الهرم وتصديعها واسقاطه. وفي الحقيقة استطاع، باستخدامه لهذا الأسلوب الاستثنائي، أن يفجر في الأيام الأخيرة من الحكم البهلوي اضراباً شاملاً وفريداً تقريباً في كافة الادارات الحكومية والوزارات، خاصة في حقل صناعة النفط، أي الشريان الحياتي لتأمين الموارد الاقتصادية للنظام، وبالتالي شلّ النظام الحاكم.

ومن خلال دراسة تحولات مرحلة الثورة، وكذلك الحياة السياسية للإمام الخميني، ومطالعة الخطابات والأحداث التاريخية، يمكن الوقوف على عدد من المبادئ الهامة التي كان يؤمن بها سماحته في رؤيته إلى طبيعة المشاركة الشعبية، نستعرض فيما يلي جانباً منها:

تصنيف الجماهير في ضوء رؤية الإمام الخميني

كما هو واضح أن معظم النظريات التي تعتبر الثورة ثمرة جهود الجماهير وتلقي بالدور الرئيسي في الثورة على عاتق الجماهير، إنما تؤكد على فئة معينة من الجماهير فقط وتتصور بأنها هي وحدها التي تضطلع بالدور الفعال والمؤثرة في المضي قدماً بمسيرة الثورة. وبالتالي فان هذا النمط من التفكير لا يرى بالضرورة مشاركة كافة أبناء الشعب في الثورة، ولا ينظر إليهم عملياً كاصحاب للثورة والمحرك لها.

أما بالنسبة لموقف الإمام الخميني وهل كان يؤمن حقاً، شأنه شأن القادة الآخرين للثورات في العالم، بتصنيف الجماهير إلى فئات، أم يعتبرها بأسرها صاحبة الثورة. وإذا ما كان يؤمن بالتصنيف فما هو الملاك أو المعيار في ذلك؟ سؤال تتضح الإجابة عليه من خلال سبر غور تراث سماحته والوقوف على سيرته وتعامله مع شرائح المجتمع المختلفة.

1 – التصنيف القيمي

من ابرز التصانيف التي نشاهدها في تراث الإمام الخميني هو التصنيف القيمي، بمعنى أن سماحته يصنف المجتمع إلى فئتين: الفئة المستضعفة والفئة المستكبرة.

المستكبرون من وجه نظر الإمام هم الذي يطمحون إلى الاستحواذ بنحو ما على السلطة المادية والاقتصادية والثقافية أو السياسية، ويحاولون الاستعانة بالطبقات والشرائح المحرومة في المجتمع. وهذه هي الفئة الوحيدة التي كان يستثنيها الإمام من صفوف الجماهير ويضعها في القطب الآخر وفي خانة العدو.

فمن وجهة نظر الإمام الخميني:

«السلامة والسلام في العالم رهن بانقراض المستكبرين.. وطالما بقي هؤلاء طلاب السلطة عديمي الثقافة على وجه الأرض، لن يصل المستضعفون إلى ارثهم الذي اعدّه الله تعالى لهم»(12).

«بورك لنا اليوم الذي تتداعى فيه هيمنة الناهبين الدولية على شعبنا المظلوم وعلى الشعوب المستضعفة الأخرى، وتتمكن الشعوب من التحكم بمصائرها»(13).

ولهذا كان سماحته لا يكف عن تذكير المسؤولين في البلاد لئلا يتناسوا المستضعفين:

«لا قدر الله اليوم الذي تتخلى فيه سياستنا وسياسة المسؤولين في البلد، عن الدفاع عن المحرومين ويديرون ظهورهم لهم، ويتوجهوا لحماية الرأسماليين وأن يحظى الأغنياء وأصحاب الثروة باهتمام وعناية أكبر.. معاذ الله أن يتسق ذلك مع سيرة الأنبياء ونهج أمير المؤمنين والائمة المعصومين (عليهم السلام).. إن حرمة وطهارة علماء الدين أبعد ما تكون عن ذلك ومنـزهة منه، ويجب أن تكون منـزهة إلى الأبد أيضاً. وان من مفاخر وبركات هذا البلد والثورة وعلماء الدين أن ينتفضوا للدفاع عن الحفاة وان يحيوا شعار الدفاع عن حقوق المستضعفين»(14).

وفي المقابل فان المستضعفين من وجهة نظر الإمام الخميني إنما هم الذين تعرضوا للظلم والاستغلال – سواء الثقافي والسياسي أو الاقتصادية -، ونظراً لأن الإسلام دين العدالة وحامي المستضعفين، فانه يتعاطف معهم ويعي قيمتهم ويؤمن بها.

الإمام الخميني يرى انتصار الثورة مدين بشكل رئيسي إلى تضحية وإيثار هذه الشريحة العظيمة من المجتمع، ويؤمن بأنه بالإمكان من خلال تعليم وتوعية هذه الفئة تفجير الطاقات العظيمة الكامنة في كيان أبنائها واظهارها إلى ساحة الفعل. ولهذا يشير دائماً إلى دور المستضعفين في الثورة موضحاً:

«اعيد واكرر، أن شعرة من رؤوس هؤلاء سكنة الأكواخ والمنجيين للشهداء، أفضل واشرف من كل القصور وسكانها في العالم»(15).

كذلك يقول:

«الأديان السماوية كلها انطلقت من صفوف الجماهير، وهاجمت المستكبرين بمساعدة المستضعفين.. المستضعفون لهم حق على جميع الأديان.. المستضعفون لهم حق على الإسلام.. كما أن نهضتنا تقدمت على أيدي المستضعفين»(16).

«إن الذين يبقون معنا حتى النهاية هم فقط أولئك الذين تجرعوا مرارة الفقر والحرمان والاستضعاف.. إن الفقراء والمتدينين المحرومين هم أصحاب الثورة الحقيقيون»(17).

«إن المحرومين هم الذين خدموا البلد وانتفضوا وثاروا، وبأيدي أبناء هذه الطبقة وصلت النهضة إلى ما هي عليه الآن.. فهم الذين تمكنوا من دحر القوة الشيطانية وتحطيم هذا السد»(18).

«إن الأمر الذي لا ينبغي للروحانيين العدول عنه مطلقاً، ويجب أن لا ينسحبوا من الميدان متأثرين بدعايات الاخرين، إنما هو الدفاع عن المحرومين والحفاة.. لأن كل من يحاول العدول عن ذلك إنما يتخلى عن العدالة الاجتماعية للإسلام»(19).

«إن هؤلاء الذين تصطلحون عليهم بأبناء جنوب المدينة وبالحفاة، إنما هم أولياء نعمتنا»(20).

بالالتفات إلى كل ذلك، ونظراً لأن الغالبية من أبناء المجتمع، بل العالم، هم من المستضعفين، فإن الإمام الخميني، لم يتجاهل أياً من الشرائح والفئات أو يستثنيها فيما عدا المستكبرين من الرأسماليين والمرفهين الذين لا يعرفون طعم الألم، وبالتالي يمكن القول أن جميع أفراد المجتمع من وجهة نظر الإمام يعدون طاقات الثورة الإسلامية الإيرانية الكامنة، وأن هذه الثورة لم تنحصر في طبقة أو شريحة خاصة.

إن الإمام الخميني وفي ذات الوقت الذي يولي أهمية للشعوب والقوميات الأخرى ويعتبرها جزءاً من الجماهير المستضعفة التي ينبغي لها أن تضع يدها بيد بعض وان تنهض ضد الظلم وهيمنة الاستكبار وأدواته وعناصره، إلا أنه تصدى بقوة لظاهرة التطرف القومي والعرقي معتبراً إياها من دسائس واحابيل المتغطرسين لبث الفرقة والاختلاف داخل المجتمعات الإسلامية وفي صفوف المستضعفين وتشتيتهم كي يتسنى لهم التمهيد لاستمرار الهيمنة الاستكبارية.

وفي هذا الصدد يقول سماحته:

«إن مخطط القوى الكبرى وعملائها في الدول الإسلامية يكمن في التفريق بين صفوف المسلمين الذين منّ الله تبارك وتعالى عليهم بالأخوة وذكر المؤمنين بالأخوة، ومحاولة ابعادهم عن بعضهم البعض تحت مسميات من قبيل: الأمة التركية والأمة الكردية والأمة العربية والأمة الفارسية، بل وزرع العداوة والبغضاء فيما بينهم، ومثل هذا يتعارض تماماً مع نهج الإسلام وتعاليم القرآن الكريم»(21).

وعلى الرغم من أن سماحته كان مرجعاً دينياً للشيعة، وكان حازماً وحاسماً فيما يتعلق ويؤمن به ولم يكن مستعداً للتساهل والتسامح في هذا الشأن مطلقاً، إلا انه مع ذلك آمن سماحته بصلابة بالوحدة بين الشيعة والسنة، وقد سعى للتخلص من العوامل التي تؤدي إلى النفاق والفرقة إلى الحد الذي لا يسيء إلى أصول المعتقدات الشيعية. وان اعلان سماحته إقامة أسبوع الوحدة، والدفاع عن المسلمين في مختلف أنحاء العالم، لا سيما المسلمون الفلسطينيون، ما هو إلا نموذج لمساعيه في هذا المجال.

الإمام الخميني لم يتجاهل حتى الاقليات الدينية، بل وكان يطمئنها بأنها ستحصل على حرية اكبر في المجتمع الإسلامي لممارسة طقوسها الدينية.

والملاحظة الطريفة هي أنه حتى الزعماء الدينيين – السياسيين الذين نهضوا من قبل لم يبذلوا الاهتمام الكافي بهذه القوة العظيمة والعميقة، بل وكانوا قد اعتمدوا في تحركهم السياسي – الاجتماعي على قواعد أخرى غير التحرك الجماهيري، وقد فشلوا في تحقيق أهدافهم عملياً.

فالسيد جمال الدين الأسد آبادي كان يرى وحدة العالم الإسلامي في نصيحة وإرشاد ملوك وحكام البلدان الإسلامية والتقريب فيما بينهم. وعقد قادة الحركة الدستورية آمالاً على الشريحة المثقفة المتغربة. وكان اعتماد آية الله الكاشاني الوحيد على التجار والطبقة المتوسطة والمثقفين. وقد برهن التاريخ على أن كل هؤلاء عجزوا عن تحقيق أهدافهم السياسية.

إن نهضة الإمام الخميني الإصلاحية ونداءاته، لم تكن مقتصرة على المجتمع الإيراني والمجتمعات الإسلامية الأخرى، بل كان سماحته يؤمن بأن فطرة الناس جميعاً تتمحور حول التوحيد والخير وطلب الحقيقة وتحقيق العدالة. وإذا ما انتشر الوعي العام وتمت السيطرة على شيطان النفس الأمارة ودحر الشياطين الخارجيين، فان أفراد المجتمع الإنساني سوف يسلكون طريق التوحيد والعيش في محيط مفعم بالعدالة والسلام. ولهذا كان يحض في معظم نداءاته المستضعفين وشعوب العالم الثالث التي ترزح تحت نير الأسر، للنهوض ضد المستكبرين. وفي الأيام الأولى التي اعقبت انتصار الثورة الإسلامية طرح سماحته فكرة تشكيل حزب المستضعفين العالمي:

«ينبغي للمستضعفين في مختلف البلدان أن يستعيدوا حقوقهم بقبضاتهم المحكمة.. يجب أن لا يتوقعوا بأن يعطى لهم حقهم، المستكبرون لا يعطون أحد حقه»(22).

2 – التصنيف العملي

وكما أسلفنا، كان الإمام الخميني يعتبر المجتمع مؤلف من الجماهير المحرومة التي ينبغي مساعدتها لإستعادة حقوقها، ولم يكن يؤمن بتقاسيم من قبيل الفئة والدين لهذه الشريحة المستضعفة. ولكن ومن أجل أن تصل الجماهير إلى هذا الوعي  والوحدة، لا بد لها من النهوض للاستحواذ على حقوقها. ومع الأخذ بنظر الاعتبار المهنة والتخصص أو الجنسية، تجد الجماهير موقعها ودورها في النهضة. لقد صنف المجتمع على أساس نشاطه إلى شرائح مختلفة، وكان يتحدث مع كل شريحة بلغتها كي يتسنى لكافة شرائح المجتمع العثور على طريق مشاركتها في الثورة. إن رؤية الإمام هذه قادت لأن تجد شرائح المجتمع موقعاً جديداً لها في انتصار الثورة وتحقيق أهدافها، وبالتالي تبذل كل ما في وسعها لتحقيق آمال وطموحات الثورة. وفيما يلي سنحاول استقراء جانب من أسلوب تعامل سماحته مع شرائح المجتمع المختلفة.

العمال والفلاحين

على الرغم من أن الإمام الخميني كان يذكر العمال والفلاحين بكل احترام وتقدير باعتبارهم الشريحة الرئيسية المنتجة في المجتمع وكان يعتبرهم أولياء نعمة الجميع. ولكن في الوقت نفسه وخلافاً لنظرية الماركسيين، لم يكن يعتبر من حق هذه الشريحة وحدها الهيمنة على المجتمع. وكان سماحته يتحدث في خطاباته عن دور العمال موضحاً:

(الفلاحون والعمال هم أساس استقلال البلد. ومثلما تقوم القوات المسلحة بالذود عن حدود الوطن، فانكم تصونون مسيرة البلد من التبعية. أولئك مجاهدون في سبيل الله، وأنتم أيضاً مجاهدون في سبيل الله.)(23).

كان الإمام في نداءاته يوجه خطابه إلى هاتين الشريحتين مشيراً: ينبغي لكم أن لا تنظروا إلى مهنتكم مجرد مهنة تدر عليكم مورداً مالياً لكم ولأسركم، بل أنتم تخدمون البلد وتوفرون احتياجات المجتمع، والإسمى من ذلك أنكم بصفتكم فئة وشريحة تبذلون كل ما في وسعكم من أجل قطع التبعية للأجانب وتحقيق الاستقلال للبلد.

التجار والكسبة

على عكس الماركسيين الذين تتسم نظرتهم إلى الطبقة الرأسمالية من المجتمع بالريبة واساءة الظن ومحاولة إلغائها باعتباره تمثل البرجوازية الجشعة، كان الإمام الخميني يرفض التجار الذي ينتمون إلى هذه الطبقة من المستكبرين فقط، وكان يصف دائماً التجار المؤمنين والمتدينين بأنصار الثورة.

النساء

المرأة التي تشكل نصف المجتمع، والتي قلما تم الاهتمام بها في المجتمعات الإسلامية، ولم يكن يتوقع منها سوى ادارة شؤون البيت وتربية الأطفال، دفع بها الإمام الخميني فجأة إلى الميدان ومنحها شخصية مضاعفة.

يؤمن الإمام الخميني بأن ثمة مسؤوليتين اجتماعيتين تقعان على عاتق المرأة. الأولى، باعتبارها تشكل نصف من الطاقة الخلاقة للمجتمع، التواجد في ساحة النضال والاضطلاع بدورها في المظاهرات والاضرابات وكذلك النشاطات السياسية جنباً إلى جنب الرجل. والثانية، الاضطلاع بصفتها المحرك للرجال، بدور فاعل في حض وتشجيع الازواج والأبناء والاشقاء ودفعهم للمساهمة في النضال والبناء.

هذا فضلاً عن الاحترام الفائق الذي كان يوليه سماحته لأمهات وزوجات الشهداء:

«للنساء حق على هذه النهضة أكثر من الرجال.. إذ أن النساء تربي في احضانها رجال شجعان.. القرآن الكريم يصنع الإنسان، والنساء أيضاً تصنع الإنسان.. ولو جردت الأمم من النسوة الشجاعات والصانعات للإنسان، فسوف تندحر هذه الأمم وتأول إلى الإنحطاط.. القوانين الإسلامية كلها من أجل صلاح المرأة والرجل.. لابد للمرأة من الاضطلاع بدورها في المقدرات الأساسية للبلد. فكما كان لكنّ دور أساسي في الثورة، لابد لكنّ الآن أيضاً من المساهمة في تعزيز النصر، ويجب أن تكنّ على أهبة الاستعداد للنهوض كلما اقتضى الأمر ذلك، فالبلد بلدكنّ وينبغي لكنّ بناء هذا البلد بمشيئة الله»(24).

الجامعيون والمثقفون وعلماء الدين

من وجهة نظر الإمام الخميني أن القائد الحقيقي للمجتمع هو الذي ينهض من أوساط الشعب والجماهير الواعية والمحرومة. وفي هذا الصدد فان الدور الذي كان يراه للعلماء والمثقفين والروحانيين في المجتمع، يكمن في إرشاد الجماهير وتوعيتها وليس في التمثيل النيابي. ولهذا كان يؤكد كثيراً على الوحدة بين الحوزة والجامعة، وكان يعرب عن مخاوفه إزاء الجامعة المتأثرة بالثقافة الفكرية الغربية والبعيدة عن الحوزة والمعارف الإسلامية، وكان قد خطط للثورة الثقافية من هذا المنطلق:

«لابد لنا من أن نضع يداً بيد، وان تعملوا أنتم أيها السادة المحترمون على توعية الجماهير وإرشادهم، وأن يتكاتف أبناء الشعب وتتآزر جهودهم لإعادة أعمار هذا الدمار»(25).

«إن تربية أبناء الشعب تقع على عاتق هاتين الشريحتين، سواء الجامعة التي أنتم فيها، والحوزة التي فيها الروحانيون.. إن عمل هاتين الشريحتين أكثر نبلاً من عمل الشرائح الأخرى، والمسؤولية التي تقع على عاتقهما أكبر.. عملها نبيل لأنها مركز بناء الإنسان. يجب أن تكون الجامعة مركزاً لبناء الإنسان سواء جامعة الروحانيين أو الجامعة التي تتواجدون فيها أنتم.. وان الأنبياء (عليهم السلام) كانت قد انيطت بهم مهمة بناء الإنسان»(26).

«ابذلوا جهودكم أنتم أيها الجامعيون كي تربوا إنساناً، فإذا ما ربيتهم إنساناً فانكم تنقذون بلدكم.. إذا ما اعددتم إنساناً أميناً، إنساناً مؤمناً بالعالم الآخر، إذا ما تربى مثل هذا الإنسان في جامعاتكم وفي جامعاتنا الدينية، سوف يعمل على انقاذ بلدكم»(27).

القوات المسلحة

على الرغم من أن القوات المسلحة كانت تعتبر قبل انتصار الثورة جزءً من النظام المناهض للشعب، وقد انيطت بها مهمة قمع الثورة، وكان ينظر إليها بشكل عام بمثابة الاداة الرئيسية لبطش السلطة. وعلى الرغم من ذلك فان الإمام الخميني والى ما قبل الثورة، ومن خلال التشديد على أن أفراد القوات المسلحة هم اخوتنا، وان الصدام معهم يعني خلق وتشديد نوع من قتال الاخوة، كان يدعو الشعب إلى تقديم الزهور رداً على رصاص الجنود!.

وعلى صعيد آخر ومن خلال تمهيد الأرضية وتوفير الوعي اللازم، اصدر سماحته أوامره بترك الجنود لمعسكراتهم والالتحاق بصفوف ابناء الشعب. وان مثل هذا الأمر كان مفيداً ومؤثراً بدرجة اصبح الجنرالات ليس فقط من دون أفراد، بل ودفع الجنود في بعض الأحيان إلى التمرد والنهوض بوجه قادتهم. بتعبير آخر أنه وبدلاً من خوض المواجهة المسلحة مع الجنود، تم استمالتهم وكسب تعاطفهم.

والطريف أنه بعد انتصار الثورة وسقوط النظام البهلوي، وعلى الرغم من أن الشعب لم يكن يطمئن إلى القوات المسلحة نتيجة للمذابح التي ارتكبتها بحق أبنائه، وفي ضوء ذلك رأت بعض الفصائل الظرف مناسباً للمطالبة بحل الجيش وتأسيس جيش شعبي. غير أن الإمام الخميني وانطلاقاً من قناعاته ليس فقط لم يسمح بحل القوات المسلحة وإنما سعى على الفور إلى إعادة بناء هذه القوات ووضعها في خدمة النظام الثوري، ومهد الأرضية للمصالحة الوطنية وإلحاق القوات المسلحة قلباً وروحاً بصفوف الجماهير الثورية. وفي الوقت نفسه تمت ملاحقة مرتكبي المجازر بحق أبناء الشعب والخيانة بحق البلد، عن طريق محاكم الثورة:

«لابد لي من تقديم النصيحة إلى الجيش، وتقديم شكري وتقديري إلى أحد اركان الجيش، إلى شريحة من شرائح الجيش.. أما النصيحة فهي أنني اطمح لأن تكونوا مستقلين..»(28).

«إذا ما عمل كل من الجيش والحكومة بواجباتهم، الجيش يقوم بواجبه والحكومة تؤدي مهامها، الجميع يؤدي وظائفه الإسلامية، ستكون اجواء البلد مفعمة بالمحبة والود ويخيم على المجتمع الهدوء الروحي، وأن مثل هذا يعتبر مفيداً سواء للشعب والحكومة والجيش»(29).

رؤية الإمام الخميني إلى الحكومة والمسؤولين

من وجهة نظر الإمام الخميني، أن الحكومة الإسلامية تتباين من حيث التشكيلات والاركان تبايناً أساسياً مع الانظمة السياسية المعاصرة فضلاً عن الاختلاف الظاهري في التطلعات والأهداف.

ففي ضوء هذه النظرية تكتسب الأكثرية مشروعيتها بناءً على محورية الحق فحسب، وتبعاً لذلك فان وجوب تنفيذ مبدأ الولاية يكون منوطاً بتوافر شرائطها ومنها القبول الشعبي العام، الذي يتجلى من خلال الانتخابات المباشرة، أو عن طريق انتخابات مجلس خبراء القيادة المنتخب من قبل الشعب.

وبناءً على ذلك فان الارتباط بين القيادة والجماهير إنما هو ارتباط طبيعي عقائدي مبدئي وعميق. ولهذا إرسى الإمام الخميني أسس أحد أكثر أنواع الحكومات شعبية وتولى قيادتها. ففي هذه الحكومة، وعلى عكس جميع الأنظمة السياسية السائدة في العالم، لم تجرد الجماهير من مسؤولياتها وتترك لحالها بعد تعيين القيادة واجراء الانتخابات، وإنما تواصل تواجدها في ميدان ادارة المجتمع الإسلامي والمشاركة في مصير النظام الإسلامي بمثابة تكليف شرعي.

من وجهة نظر الإمام الخميني، أن قاعدة الحكومة الإسلامية ترتكز إلى الحب والثقة المتبادلة بين الجماهير والقيادة الصالحة والعادلة، ولهذا يقول:

«القائد والقيادة في الأديان السماوية والدين الإسلامي العظيم، ليست بالأمر الذي يكتسب أهميته بحد ذاته، وتدفع الإنسان، لا سمح الله، إلى الغرور والتعالي»(30).

ولذلك يوضح سماحته:

«لو تخاطبوني بالخادم أفضل لي من أن تنادوني بالقائد. القيادة أمر غير مطروح. الخدمة هي الهدف. الإسلام حملنا مسؤولية الخدمة»(31).

«إنني أخ للشعب الإيراني، واعتبر نفسي خادماً وجندياً لهم»(32).

وفي مكان آخر يخاطب سماحته الحكومات التي تعتبر نفسها أفضل من الشعوب، قائلاً:

«الحكومة في الدولة الإسلامية تكون في خدمة الشعب، يجب أن تكون خادمة للشعب»(33).

«إن وعي الشعب ومشاركته واشرافه وتحركه جنباً إلى جنب مع الحكومة التي اختارها، يعد بحد ذاته أكبر ضمانة لصيانة الأمن في المجتمع»(34).

إن تباين هذه النظرية من حيث مبدأ الحكومة والأمن الوطني والاجتماعي، واضح تماماً عما هي عليه النظرية التي ترى إهتمام الدولة في أكثر الانظمة السياسية ديمقراطية، لا يخرج عن إطار إتساع (السلطة) وأدواتها ومستلزماتها، وبالتالي تعتبر أهم أركان الأمن الاجتماعي يكمن في القوة القسرية.

يقول سماحة الإمام:

«إن أية قوة كبرى إذا ما كانت تفتقر إلى القاعدة الشعبية الوطنية، ليس بوسعها الصمود»(35).

 

نشر الوعي الذاتي والثقة بالنفس

خلافاً للمنظرين الغربين سواء الليبراليين والشيوعيين الذين يؤمنون بأنه نظراً لأن الجماهير تفتقر إلى الوعي الكافي لذا ينبغي للنخبة أن تتولى تمثيلها والتحدث باسمها في إطار الأحزاب، وهدايتها وتوجيهها في الاتجاه الذي تراه يحقق سعادتها وتعاليها. خلافاً لذلك كان الإمام الخميني يعتقد بأن مسؤولية قادة المجتمع تكمن في توعية الجماهير، من خلال توعيتها بالظروف السائدة وحقوقها وواجباتها، وبالتالي أن توجد لديها قناعة بأن باستطاعتها ليس التحكم بمصيرها فقط، بل مكلفة بالنهوض والعمل على استرداد حقوقها من الظالمين أيضاً.

ومن هنا كان الإمام الخميني في قيادته للمجتمع الإسلامي، يرى القيادة أبعد من الهداية والتوجيه، ورغم المشروعية والشعبية التي كان يحظى بها لم يكن يسبق الجماهير في تحركه، بل كان يؤمن بأن رسالته تتمثل في إرشاد الجماهير وتوعيتها أكثر من تمحورها حول اتخاذ القرارات والتحرك.. كان الإمام الخميني يؤمن بضرورة التحول الثقافي في أوساط الجماهير قبل إيمانه بالتحولات السياسية. وفي ضوء ذلك كان قد بدأ النهضة أصلاً انطلاقاً من فحوى الآية الكريمة: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» وإيماناً بأسبقية الثورة الثقافية.

ومن جهة أخرى اعتبر سماحته اللجوء إلى الثورة والتحولات الاجتماعية عن طريق الجماهير، ضرورة لا مفر منها وكان يرى بأن النضال الحزبي والبرلماني لن يثمر، بل وحتى النضال المسلح سيكون غير مجدي وعديم الفائدة إذا ما افتقر إلى الدعم الشعبي وجاء في ظرف لم يتم إعداد الأرضية اللازمة له بعد في أوساط المجتمع.

في حين أن كلاً من المذهب الليبرالي والمذهب الشيوعي، لم يريا للجماهير أي دور سوى التبعية، ويعتبر قادة هذه المذاهب أنفسهم القيمين على الجماهير والممثلين لهم، وكانوا ولا زالوا يؤمنون بأن ما يرونه في صالح الجماهير ويحقق منافعهم يجب تطبيقه حتى وإن كانت الجماهير ترفض ذلك. فعلى سبيل المثال، ان ماركس وعلى الرغم من أنه كان يصف الحزب الشيوعي بالحزب الشامل وكان يعتبر مرحلة توعية العمال مقدمة لبلوغ مرحلة الثورة، غير أنه في الوقت نفسه كان يلقي تحقيق هذه الرسالة على عاتق التاريخ.. بيد أن لينين يعتبر الحزب الشيوعي بمثابة حزب النخبة التي تحل محل طبقة البروليتاريا، وينبغي له تطبيق خططه في تحقيق العدالة الاجتماعية حتى وإن كان ذلك عن طريق الاستبداد الحزبي.

وفي الغرب الذي ينشأ الأحزاب السياسية ليست بدافع التثقيف والتوعية وإنما من أجل دفع الجماهير بالاتجاه الذي تراه الأحزاب بمثابة الطريق الوحيد لسعادة الجماهير. وتحاول أن توجه الجماهير من خلال اعلامها بنحو بحيث لا تخطو خارج إطار ما تريده هذه الاحزاب. وبعبارة أخرى أن هذه الأحزاب هي التي تتخذ القرار بدلاً من الجماهير ولم تترك لها أي خيار. فلم يشاهد حتى الآن أن حزباً وضع برامجه على أساس توعية المجتمع والإرتقاء بمستوى تثقيفه، وإعداد الأرضية كي يتسنى للجماهير اتخاذ قراراتها بإرادتها وبوحي من قناعتها.

في حين أن احترام رأي الشعب وارادته في نظام قيادة الإمام الخميني يحظى بمكانة استثنائية، إذ كان سماحته متمسك بمبدأ التثيقف والتوعية بدرجة لم يكن مستعداً لفرض آرائه الشخصية حتى في أكثر القضايا حساسية، على الرغم من أن مثل هذا الأمر كان في منتهى البساطة نظراً للشعبية والمحبوبية التي كان يتمتع بها سماحته في أوساط الجماهير والمسؤولين على حد سواء، وان ذلك ليس فقط لن يوجد أية مشكلة وانما سيتم استقباله والعمل على تنفيذه بكل صدق وإخلاص أيضاً.

وتتضح هذه الملاحظة الطريفة من خلال دراسة السيرة السياسية للإمام الخميني وفي تعامله مع الجماهير، إذ لم يسع سماحته مطلقاً لأن يدفع الجماهير باتجاه معين بناءً على قناعته وتشخيصه دون أن تكون الجماهير مستعدة لذلك وراغبة فيه. بل كان يحترم ارادتها إذا ما كانت لا تشكل خطراً جدياً ومبدئياً على الإسلام والثورة.

وفي الوقت نفسه كان سماحته يسعى عبر خطاباته ونداءاته، إلى تحقيق الوعي اللازم لدى الجماهير كي تمتلك الأرضية لقبول الحقيقة. فعلى سبيل المثال، أن الوثائق والمستندات ومذكرات ممن عايشوا سماحته عن كثب، تشير إلى أنه في انتخابات الدورة الأولى من رئاسة الجمهورية، ورغم التأييد الذي كان يحظى به بني صدر لدى العديد من قوى الثورة، إلا أن سماحته لم يكن يرغب في انتخابه ولم يمنح صوته له. ومع ذلك احترم ارادة الشعب وصادق على انتخابه رئيساً للبلاد، وفي الوقت نفسه اعطى توجيهاته، عبر نداءاته، لأبناء الشعب وتوعيتهم بما ينبغي. وحينما ادرك الناخبون الذين منحوا اصواتهم لبني صدر حقيقة هذا الرجل، سحبوا ثقتهم عنه من خلال إقامة المظاهرات والمسيرات، وبتعبير اوضح اعربوا عن رفضهم له. وآنذاك كشف الإمام الخميني عن معارضته له وأقدم على عزله عن القيادة العام للقوات المسلحة، ومن ثم اقدم نواب مجلس الشورى الإسلامي على عزله من رئاسة الجمهورية.

كذلك حينما رشح مجلس قيادة الثورة المهندس مهدي بازركان لتولي رئاسة الوزراء، فعلى الرغم من أن الإمام لم يكن يرى هذا الترشيح مناسباً، إلا أنه اصدر مرسوم تعينه. ودعا الشعب لتأييد ودعم حكومته.

وهكذا بالنسبة لخليفة سماحته، إذ أن مجلس خبراء القيادة كان يدعم تعيين آية الله منتظري خليفة للإمام. غير أن الإمام الخميني ليس فقط لم يعارض ذلك رغم عدم قناعته، بل حاول مسايرت ارادة الجماهير قدر المستطاع. وقد اتضح فيما بعد، أن سماحته كان معارضاً لانتخاب هؤلاء الثلاثة..وثايناً، أن معارضته للثلاثة كانت لها ما يبررها.(36)

الخط الأحمر الوحيد بالنسبة للإمام الخميني كان يتمثل في تخطي القيم الإسلامية التي كان حساساً للغاية تجاهها. وكان يتصدى لذلك بكل حزم على وجه السرعة. فعندما عارضت الجبهة الوطنية لائحة قانون القصاص، لن يتردد سماحته عن الإعلان عن ارتداد هذه الجبهة.. وعندما سمع من المذياع اساءة توجه إلى قدسية الصديقة الزهراء (عليها السلام)، اصدر أوامره على الفور بمتابعة الموضوع ومعاقبة المسيئ. كما أنه لم يعبأ لحظة بالتبعات السياسية والدولية التي يمكن أن تترتب على اصدار حكمه بارتداء سلمان رشدي واهدار دمه.

وكما هو واضح أن المذهب التربوي الذي كان يؤمن به الإمام الخميني، يختلف تماماً عما يدرس تحت عناوين علم الاجتماع وعلوم الإنسان في جامعات العالم الثالث والبلدان الإسلامية.. إذ أن نهضة الإمام قائمة أساساً على نهج الأنبياء. غير أن هذا النهج كان منسياً في عصرنا الحاضر، وان ما مطروح اليوم باسم علوم الإنسان إنما هو تعريف للإنسان والعلاقات الإنسانية من خلال المفاهيم التي تطرحها الليبرالية والاشتراكية، أو نظرية تقديس الإنسان التي انبثقت هي الأخرى عن عصر النهضة نتيجة لتناسي النفس والقبول بأصالة وسيادة الماكينة على حساب اصالة الإنسان.

في حين أن النهج التربوي للإمام الخميني يقوم على أساس عودة الإنسان إلى ذاته والمضي في المسار الإلهي، الأمر الذي يمنح الجماهير والمجتمع درجة من القوة والشجاعة ليس بوسعه أية قوة الصمود بوجهها.

الاستهانة بالعدو

إن إحدى الوسائل المهمة وأداة الحرب النفسية لبث الخوف والرعب في قلوب الشعوب، تتمثل في المبالغة بتصوير قوة العدو واستحكام قلاعه واستحالة اختراقها.. فبعد الحرب العالمية الثانية واختراع الأسلحة النووية وانحسارها في أيدي القوى الكبرى لا سيما أميركا، كانت قد وجد مثل هذا التصور في إذهان شعوب العالم الثالث بأنه ليس بالإمكان مواجهة القوى الكبرى التي تمتلك السلاح النووي، ولابد من الاعتماد عليها كي يتسنى البقاء ومواصلة الحياة..

إن مرحلة الحرب الباردة وقواعدها تتسم بمثل هذه السمة، وان الشعوب والدول الصغيرة والضعيفة قد قبلت بذلك أيضاً. فكثيراً ما كان يحصل وبمجرد ان تتحرك الاساطيل الأميركية باتجاه منطقة ما من العالم، أن تسلم دول تلك المنطقة أمام ارادة هذه القوى وتتراجع عن مطالبها ومواقفها.

ونظراً إلى أن الإمام الخميني كان يثق تماماً بقوة الشعب انطلاقاً من توجهاته ومعتقداته الإلهية، فقد أثار الشكوك والترديد إزاء مصداقية هذه القاعدة عندما قال:

«ليس بوسع أميركا أن ترتكب أية حماقة»(37).

وفي مكان آخر:

«إننا نسحق أميركا تحت أقدامنا»(38).

لقد انتزع الرعب والرهبة من قلوب الجماهير ودفعها للإيمان بأن عظمة السلاح النووي وترسانة الأسلحة لا تشكل معياراً للقوة، بل الأقوى من ذلك هو إرادة الشعوب التي بوسعها أن تتفوق على ذلك:

«لقد تلقت اميركا صفعة على أيديكم.. ان أميركا التي عقدت آمالاً على إيران ونفط إيران وثروات إيران، قد تم طردها من هذا البلد على أيديكم»(39).

اعتماد سلاح التضحية والشهادة

كان الإمام الخميني يؤمن، انطلاقاً من التعاليم الإسلامية السامية، بأنه إذا ما ادرك مجتمع وشعب ما حقيقة الموت وآمن بأن الموت لا يشكل نهاية الحياة، بل أن الموت بشرف مقروناً بالشهادة إنما هو بداية حياة جديدة أكثر اشراقاً، فان مثل هذا الشعب ليس فقط لا يخشى المواجهة مع العدو وانما يجعله يقف عاجزاً وضعيفاً أمام هذا السلاح وبالتالي يدفعه إلى الهزيمة والاستسلام.

وهكذا، وبهذا النهج ورغم تمتع الإمام الخميني بجاذبية كاريزمية استثنائية، وتمتعه بصلاحية المرجعية الدينية وقوتها، إلا أنه فضّل طريق الإرشاد والتوعية الطويل والصعب. وبهذا النهج استطاع أن يربي شعباً جعل الإمام نفسه يتحرك بنحو ويمتلك من القوة، أرست دعائم واركان استقرار الجمهورية الإسلامية الإيرانية وقوتها.

وعلى الرغم من مرور أكثر من عقد على الرحيل المؤلم لسماحته، فان هذا الشعب لا زال يحرص على تواجده في الساحة انطلاقاً من إيمانه بالنهج ذاته.. ونظراً لحاسة الشم القوية التي اكتسبها، فانه وبمجرد أن يشم رائحة خطر يهدد الثورة والنظام الإسلامي، ينـزل على الفور إلى الساحة ويبادر إلى إخماد نار النفاق والإلحاد دون أدنى تأخير.


الهوامش

1 – للمزيد من الاطلاع يراجع كتاب (دراسة حول الثورة الإسلامية) للكاتب، منشورات امير كبير، الطبعة السابعة.

2 – للمزيد من الاطلاع يراجع كتاب (الثورة الإسلامية مقارنة بالثورتين الفرنسية والروسية) للكاتب.

3 – الثورة الإسلامية وجذورها، مجموعة مقالات، الجزء الأول.

4 – Theda Seocopel, Renter state and shia Islam in the Iranian Revolution. Theory & Socity 1982.

5 – هانري ماركانت، زردهاى سرخ، ترجمة هوشنك منتصرى.

6 – المصدر السابق.

7 – مقال: (تقييم الكاريزما مطابقة مع الثورة الإسلامية الإيرانية)، علي محمد حاضري، مجموعة مقالات المؤتمر الدولي الثاني (الإمام الخميني واحياء الفكر الديني)، الجزء الثالث.

8 – دراسة حول الثورة الإسلامية، منوجهر محمدي.

9 – جذور الثورة الإسلامية، عباس علي عميد زنجاني.

10 – الثورة الإسلامية وجذورها، مصدر سابق، مقال: مؤسسة المرجعية في مرحلة النهضة والنظام، هدايت جليلي.

11 – صحيفة الإمام، ج1.

12 – منهجية الثورة الإسلامية، ، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني.

13 – المصدر السابق.

14 – صحيفة الإمام، ج20.

15 – المصدر السابق، ج20.

16 – المصدر السابق، ج7.

17– المصدر السابق، ج21.

18 – المصدر السابق، ج7.

19 – المصدر السابق، ج21.

20 – المصدر السابق، ج16.

21 – منهجية الثورة الإسلامية،، مصدر سابق.

22 – صحيفة الإمام، ج12.

23 – المصدر السابق، ج14.

24 – المصدر السابق، ج6.

25 – خطاب للإمام الخميني في جمع من علماء الدين، طهران، 11/12/67.

26 – صحيفة الإمام، ج8.

27 – المصدر السابق، ج8.

28– المصدر السابق، ج6.

29 – المصدر السابق، ج8.

30 – المصدر السابق، ج18.

31 – المصدر السابق، ج10.

32 – المصدر السابق، ج5.

33 – المصدر السابق، ج6.

34 – المصدر السابق، ج4.

35 – المصدر السابق، ج7.

36 – راجع: رسالة الإمام إلى آية الله منتظري بتاريخ 6/1/1368.

37 – صحيفة الإمام، ج10.

38 – المصدر السابق، ج17، خطاب بتاريخ 21/1/1362.

39 – خطاب سماحته في جمع من قادة حرس الثورة. صحيفة الإمام، ج15.

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء