المناسبة: عيد الاضحى السعيد
الحاضرون: مسؤولو الجمهورية الاسلامية وشخصيات عسكرية ومدنية وجمع من أبناء الشعب
بسم الله الرحمن الرحيم
ابارك لجميع السادة الحضور والشعب الايراني المسلم وكل المحرومين في العالم هذا العيد المبارك. يوجد لدينا في الاسلام عيدان نعترف بهما رسميا كأعياد للمسلمين وهما: عيد الفطر الشريف الذي هو عيد في ضيافة الله، وعيد الاضحى المبارك الذي هو عيد لقاء الله. ويعد عيد ضيافة الله مقدمة للقاء الله، وان الأمر الموجه لنبينا ابراهيم ان (اذّن في الناس يأتوك من كل فج عميق) هو لان هذا الطريق يجب طيه من خلال ولي الله، ويجب عبوره عبر اولياء الله، والنبي ابراهيم عليه السلام كان ولي الله في زمانه وهو الولي لكل الاجيال. والرسول الاكرم هو الولي الاعظم للعالمم بأسره، ومن خلال سلوك طريق هؤلاء الاولياء يمكننا الوصول الى غايتنا.
فبعد طيه كل هذه المراحل قال سيدنا ابراهيم عليه السلام: [وجّهت وجهي للّذي فطر السموات والارض] ، في حين كان الخطاب للرسول الاكرم صلى الله عليه وآله: [ثمّ دنا فتدلّى فكان قاب قوسين أو أدنى] . وهناك فارق بين هذين الخطابين رغم ان كلا المخطابين وصلا الى ذروة الكمال.
بركات الادعية المنقولة عن الأئمة
ومن البركات التي ننعم بها بركات الادعية المأثورة عن الأئمة الاطهار عليه السلام. فأدعية الأئمة- كما هو الحال بالنسبه للقرآن الكريم- هي بمثابة مائدة مفتوحة لجميع الناس من مختلف الشرائح للتنعم منها. فكما تعلمون ثمة في القرآن، آيات شريفة يستفيد منها اغلب الناس، كما توجد آيات يستفيد منها الفقهاء العظام. وهناك آيات يستفيد منها الفلاسفة، وآيات تنفع العرفاء وآيات خاصة بالاولياء، وهناك آيات اختص بها الرسول الاكرم صلى الله عليه وآله، ووصلت من خلاله الى اناس جديرين بها. كما يتضمن القرآن آيات نزلت في هذا المجال يستفيد منها اهل العلم، من قبيل:
[اللهُ نورُ السّمواتِ والارض]، و [هُو الأوَّلُ وَالآخِرُ وَالظاهِرّ وَالباطن]، و [هُو مَعَكُمْ اينَما كُنْتمْ] ، وآيات من هذا القبيل يمكن ان يفسرها البعض حسب تعابيرها ومعانيها، لكنها في الواقع صعبة الفهم على غير المخاطبين بها. فمثلا [هُو الظّاهرُ، هُو الباطِنُ]، عندما وصلت الينا قرأناها [هو المُظْهِرُ]، فالمسألة ليست كذلك. كما ان آية [اللهُ نورُ السّمواتِ والأَرضِ] عندما وصلت بأيدي الناس العاديين فهموها بمعنى [مُنَوِّرُ السمواتِ والأَرضِ]، في حين ان معناها ليس هذا. ويصدق الامر نفسه بالنسبة للروايات. كما تمثل الادعية المأثورة عن الائمة الطاهرين عليهم السلام مائدة مفتوحة يمكن لعامة الناس الاستفادة منها كلُّ حسب مقدار فهمه. وهناك غالبا أشياء يستفيد منها الناس عموما وتوجد فقرات في الادعية يستفيد منها الفلاسفة. كما هناك فقرات يستفيد منها المثقفون والعلماء، وعبارات خاصة بالاولياء لايمكن لغيرهم الاستفادة منها. فمثلًا في دعاء عرفات الوارد على لسان سيد الشهداء الحسين عليه السلام في عيد الضحى، يوم عرفات، نجد اشياء وعبارات يستخدمها اكثر الناس، لكن يوجد بين سطوره عبارات اخرى يكون من الصعب استخدامها حتى بالنسبة للضالعين في العلم والعرفان. وكمثال على ذلك عبارة [أيَكونُ لِغَيرِكَ الظُهُور] حتى كلمة [ما ليسَ لكَ]، فهذا التعبير يختلف عن عبارة [هو المُظْهِرُ] ... فعبارة [أيَكونُ لِغَيرِكَ الظُهُور ما ليسَ لكَ] تعني ظهور الجميع منك فقط، من ظهورك، تمثلا لمعنى عبارة [متى غِبْتَ حَتى تحتاجَ الى دليلٍ]. متى غبتَ؟ فانك لم تكن غائبا في اي وقت، فبك نستدل على وجود الآخرين، ولايمكن الاستدلال بالآخرين لاثبات وجودك، فهذه نعم عظيمة انعم بها الله على عباده، وكل شخص يمكنه استخدام ما يسعه منها. وهناك العديد ممن يتصورن انهم استفادوا من هذه العبارات لكن الحقيقة صعبة جدا. اي ان بعض الامور يسهل تصديقها لكن مجرد تصورها صعب على الكثيرين. فهناك امور لايمكن للانسان ان يتصورها، لكنه يصدقها، كما هناك امور مرتبطة باهل العلم تأتي في هذا الباب، فهم يصدقون مفهوم هو الظاهر، لكن تصور هذا الامر هو تصور صعب للغاية، الا لخاصة الاولياء. فعيد الاضحى المبارك وما اراده الجميع ان اذن في الناس ليأتوا اليك يا ابراهيم، وليأتوا الى رسول الله عند ما كان الرسول موجودا، ويتوجهوا الى ولي الله عند ما يكون حاضرا، فهم يأتون اليه، والتوجه نحوه هو نفس التوجه صوب الله، لا أن يفسر الذهاب اليه بعنوان عكس التوجه الى الله، بل ان الذهاب صوب ولي الله او رسول الله هو عين الذهاب الى الله. من هنا جاءت الدعوة الى الناس ليذهبوا نحو الله، مصحوبة بتوضيح بأن الطريق نحو الله هو هذا الطريق، عبر ولي الله. فالعيد لابراهيم عليه السلام ولذبيح الله (اسماعيل) الذي هو ثمرة وجوده، يتمثل في استعداده للتضحية بنفسه امتثالا لامرربه، وكذلك الامر لرسول الله، لذبيح الله في هذه الامة، حيث فسرت كلمة ذبيح الله بكلمة (فدية) ايضا، واطلقت في بعض الروايات على سيد الشهداء (الحسين). فقد ذهب ابراهيم عليه السلام الى حد التضحية بابنه، الا ان الله سبحانه وتعالى ارسل له فدية (للتضحية بها بدلا من ابنه)، كما ان النبي الاكرم صلى الله عليه وآله بلغ ذلك الحد وحققه على ارض الواقع حيث حصل الذبح فعلا (للامام الحسين). وهناك نماذج وامثلة لهذه الامور متداولة بين الناس، لكن مع تفاوت كبير له صلة بدرجات المعرفة ومراحلها.
تضحية الشباب وجرائم القوى العظمى
انتم تشاهدون في العصر الحاضر، عددا من الشباب يضحون بانفسهم، ويتوجهون نحو الشهادة. وترون عددا من الناس ممن يبعثون فلذات اكبادهم نحو الشهادة وهم مستبشرون وغير مكتئبين لذلك. وهذا الامر مماثل لماسبق، لكن الفرق يكمن في ان التضحية كانت عن علم ويقين بدرجة عالية في حين ان التضحية الحديثة لم تبلغ تلك الدرجةالرفيعة، وما نشهده اليوم هو نموذج لذلك. فتضحيات شبابنا الاعزاء وتضحيات آبائهم وامهاتهم هي من نفس النمط لتضحيات السلف. فشبابنا يذبحون بنفس الطريقة التي ذبح بها اسماعيل، وبنفس الطريقة التي نحرت بها الضحية المرسلة لتذبح بدلا من اسماعيل حسب ما جاءت به الروايات. ولابد لنا من القول اننا عاجزون عن تصور مدى التضحية التي يقدم عليها هؤلاء الشباب. ونحمد الله لما اوجدته هذه التضحيات من عزة ورفعة للاسلام، التي ستبقى خالدة على مرّ التاريخ، حيث ان العزة والرفعة التي اوجدها هؤلاء لوطنهم مسجلة في صفحات مشرقة. ونتمنى ان تكون هذه الرفعة من نصيب الشعوب كافة، وان ينعم جميع مستضعفي العالم وكل الامم والشعوب بنعمة الثورة التي حصلت هنا.
وفي مقابل هذا الايثار وهذه التضحيات من اجل الاسلام، هناك في الجانب الآخر من العالم جرائم فظيعة ترتكبها الدول الكبرى بحق البشرية جمعاء. فالعالم مبتلى اليوم بصراع القطبين، والبشرية باسرها مبتلية بتنافس هذين القطبين، وادعو الله سبحانه وتعالى ان ينقذ البشر من هذين القطبين الفاسدين (الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي). فانهما يتدخلان في كل مكان يقدران على التدخل فيه، وفي اي مكان تتوفر فيه الذريعة حسب الظاهر لاجبار الآخرين على التدخل والافساد. وانكم تشاهدون ما فعل صدام طوال هذه السنين وما جنى بحق هذا الشعب، وما ارتكب بحق الاسلام، وما فعل بحق الشعب العراقي. كما تشاهدون كيف تصوره وسائل الاعلام بأنه محب للإسلام. وانا احيانا اتذكر ذلك الشاعر الذي له قصة، فقضية صدام تذكرنا بقصة ذلك الشاعر. فقد روي ان شخصا سأل احد الشعراء: من هو اشعر العرب؟ فاجابه: لنذهب معا وسأدلك عليه. فذهب معه الى أحد المنازل، حيث رأى عجوزا قذرا كثّ الشعر جالساً وهو يضع ثدي معزى بفمه ويشرب لبنها. فقال الشاعر للسائل: ان هذا الشخص الذي تراه أمامك هو والدي، والسبب لوضعه الثدي في فمه هو ان بخله بلغ حدا بحيث لايريد ان تسقط قطرة حليب واحدة في الاناء. فاشعر شعراء العرب هو هذا الذي قضى سنوات طوال يفخر بالعرب من اجل هذا الاب!
افصح خطباء العرب
ان ما اتصوره هو أن يقال لصدام: من أفصح خطباء العرب في عهده؟ ليقول لنا: تعالوا معي لاريكم ... فيأخذنا الى خرمشهر والهويزة وسوسنكرد ويرينا آثار الهزيمة التي الحقتها ايران به. فأفصح خطباء العرب هو الذي يقوم رغم كل هذه الهزائم بمنح وسام الشجاعة لجيشه ويرفع عقيرته ببطولة قواته. والاكثر من ذلك يمكن لصدام أن يقول: ان ابلغ خطباء العرب هو ذلك الذي يرى كل هذا الدمار الذي جنته ايادينا وكل هذه الصواريخ التي تسقط على رؤوس الأبرياء، وكل هذا الدعم الذي تقدمه دول العالم له، هو هذا الذي يقدم نفسه بصفته داعية للسلام رغم كل هذه الجرائم.
لقد أضحى الوضع بهذه الصورة، بأن يعرف الشخص الذي يستمد السلاح من هذا الطرف وذاك ليصبه على رؤوس الأبرياء، وعلى كل من لا تصل اليه يده، وعندما يهزم يلجأ إلى الاسلحة البعيدة المدى ليضرب بها المدن الآمنة التي يقطنها العرب والاكراد والفقراء، يُعرف العالم بأنه محب للسلام، ويقوم باطلاق نداءات السلام! واستنجد مؤخراً بأحد الرؤساء- رئيس جمهورية غينيا- حيث بعث له رسالة مفصلة معلنا استعداده للسلام بأي شكل كان. وكان يقول ذلك منذ البداية. ولكن اي سلام؟ ومع من؟ فهو في ذات الوقت الذي يهاجم ويعتدي على الآخرين يسمى محبا للسلام، وفي الوقت الذي يهرب من القتال يسمّى شجاعا.
فالكلمات فقدت مغزاها في عصرنا الحاضر، وعاد كل شيء للوراء، وطرأ تغير على الالفاظ والمعاني. وفرنسا، التي تسمي نفسها دولة متحضرة ومنادية بالحرية وغير ذلك من الصفات- ربما تكون شعبية- لكنها ترسل الاسلحة لصدام، وتزوده بالطائرات المقاتلة والقاذفة كي لا تسمح لايران بالانتصار في الحرب. واني ارى انه لوكان لدى قادة فرنسا- الذين يقومون بارسال هذه الاسلحة- لو كان لديهم بعض العقل، لما خدعوا بمزاعم امريكا منذ البداية، التي تقول اذهب انت للامام فالمسألة ستنتهي في ايام قلائل. لكننا رأينا كيف جاء صدام ولم يحقق شيئاً. وقد شاهدتم كيف هجموا علينا خلال الايام الثلاثه الاخيرة وكيف تقدم شبابنا الى داخل العراق وما زالوا يواصلون تقدمهم. فهل نفعتهم كل هذه المقاتلات التي ارسلوها- يقال انهم ارسلوا ستين طائرة ميراج- فهل حققت لهم شيئا؟ هذه الاسلحة يجب ان تكون بأيدي قوات كافية قادرة على استخدامها. فاولئك الذين غير قادرين على استخدام هذه الاسلحة، يهربون من ساحة الحرب بمجرد مواجهة هجوم حرس الثورة الاعزاء، لا يمكنهم انجاز المهام الموكلة اليهم. فمثل هؤلاء يختبئون في مواقعهم ويواجهون مدافعهم البعيدة المدى صوب آبادان وأماكن اخرى. هذا هو حال الدنيا التي نحيا فيها اليوم، فعلى الرغم من كل هذه المساعدات التي تقدم لهذا الشخص الا انه يرى بأم عينيه عاجز عن فعل شيء. وهل ما قدمته روسيا من دعم لصدام يقل عن الدعم المقدم من فرنسا؟ حسنا، فاولئك كانوا متواطئين معه لكنه لم يقدر على فعل شيء، وطبعاً صدام قام بأعمال تخريب، لكنه لم يحرز اي تقدم، بل مني بالهزيمة في كل الجبهات. وسبب هذه الهزيمة يعود الى فقدانه الايمان الذي يمتلكه جنودنا. فهو يثوي تقليدنا في هذه الامور، ليقال له كما ان الشعب الايراني يقدم التبرعات لذا عليه ان يبادر إلى عمل الشيء نفسه. وقد ذكرت الاذاعات الاجنبية، بأن أزلامه كانوا يذهبون إلى البيوت ويطالبون اصحابها بتسليمهم ايصالات التبرع، فاذا كان أحدهم لا يملك ايصالًا بالتبرع بالذهب والمجوهرات، فانهم يسوقونه كمجرم. فقد سمع صدام ان الناس هنا يتبرعون بالذهب لجبهات القتال، لذا فهو يريد تحسين صورته والقيام باعمال مماثلة في بلاده، فنراهم يقومون بتشكيل طوابير من الناس ويطلبون منهم تقديم التبرعات والمعونات للجبهة، لكن رجال الامن يبادرون لاخذ الاموال عنوة منهم. كما سمع صدام ان الاطفال والصبية هنا يتنازعون فيما بينهم ويتسابقون للذهاب الى جبهات الحرب، او المشاركة في القتال، لذا ئراه يدعي ان صبيا جاء له وطلب منه ارساله الى جبهة الحرب. ولا يخفى أن الفرق واضح بين الجانبين. على اي حال اننا مبتلون اليوم بهذه الاوضاع المؤسفة والمؤلمة.
---------
القسم العربي، الشؤون الدولية.