كيف مضت الأيام الأخيرة من حياة الإمام وزوجته؟

كيف مضت الأيام الأخيرة من حياة الإمام وزوجته؟

ستّون عامًا من الصحبة

عاشت السيدة خديجة ثقفي، المعروفة بلقب «قدس إيران»، إلى جانب الإمام روح الله الخميني (قدس سره) قرابة ستين عامًا، رافقته فيها في مختلف مراحل الحياة، في السراء والضراء، ولم تُظهر تذمرًا أو ضعفًا. ورغم أنها نشأت في بيتٍ ميسور، فقد اختارت بإرادتها أن تشارك زوجها حياة البساطة والزهد، وتسير معه خطوةً بخطوة في جميع المنعطفات. ومع كل ما واجهته من مشاق، لم يكن هناك يوم أشد عليها من يوم فراقه.

في الأول من شهر فروردين عام 1388هـ ش (الموافق لعام 2009م)، وبعد عدة أشهر من المرض، لبّت نداء ربها. وكانت طوال سنوات النضال إلى جانب الإمام، تتحمل معه المصاعب والشدائد، حتى استحقت بحق أن تُعرف بـ«سيدة الثورة».

وفي كتاب «سيدة الثورة، خديجة أخرى»، تروي بنفسها مشاهد من الأيام الأخيرة من حياة الإمام، وهي ذكريات مؤثرة تمسّ أعماق القلب.

مرضها ومرض الإمام

قبل إدخال الإمام إلى المستشفى، كانت السيدة خديجة تعاني من آلام شديدة في الظهر، وقد أوصى الأطباء بأن تلتزم راحةً تامة لمدة عشرين يومًا. ولم يمضِ على بدء فترة الراحة سوى أسبوع واحد حتى نُقل الإمام إلى المستشفى.

ومع شدة معاناتها، كانت تتوجه كل صباح لزيارته بصعوبة بالغة، لكنها كانت تمكث وقتًا قصيرًا فقط بسبب حالتها الصحية وبعض القيود داخل المستشفى، ثم تعود إلى المنزل بناءً على توصية الإمام نفسه.

وفي حديث لها مع السيد حسن الخميني قالت:

«أنا من نساء الجيل القديم اللواتي يتحلين بقدر كبير من الحياء تجاه الرجال. وكان عدد من السادة يجلسون قرب مدخل قسم العلاج على بساط مفروش، وكان ذلك المكان في طريق مروري، فخشيت أن تلامس عبائتي ثيابهم أو أسبب لهم الحرج بالاضطرار إلى القيام لإفساح الطريق لي. لذلك تقرر أن ينسق الحاج عيسى مع الدكتور عارفي، رئيس الفريق الطبي للإمام، موعدًا أزور فيه المستشفى عندما لا يكون أحد في الممر أو داخل غرفة العلاج. وهكذا كنت أذهب كل صباح في وقت هادئ، فأطمئن على حال الإمام، وهو بدوره كان يسأل عن صحتي وآلام ظهري، ويوصيني بعدم المشي أو صعود السلالم ونزولها، وأن ألتزم الراحة وأحافظ على صحتي. وفي الحقيقة، كان الإمام دائم الاهتمام بسلامتي.»

وأضافت:

«وفي تلك الأيام، وبعد أن يوصيني بالاعتناء بنفسي، كان يقول لي مرارًا: "أنا راحل، فادعي الله لي أن أمضي". وكنت إذا سألته: أين تشعر بالألم؟ يجيب: "كل جسدي يؤلمني". وكان كلامه يؤثر فيّ كثيرًا حتى أكاد أبكي، لكنني كنت أتماسك وأقول له: إن شاء الله ستتعافى قريبًا، وستخرج من المستشفى عاجلًا فلا تقلق.»

وكانت إذا طال بقاؤها قليلًا واضطر بعض الرجال إلى دخول الغرفة، تدرك من نظرات الإمام أنه لا يريد أن يراها الغرباء، لأنها كانت تعلم مدى غيرته وحرصه عليها، فكانت تنهض وتغادر، ثم تبحث عن فرصة أخرى لزيارته، ولو في المساء إذا خلا المكان.

يوم العملية الجراحية

في يوم الجراحة لم تستطع أن تصبر بعيدًا عن زوجها. فقد كانت ترى أن ستين عامًا من الحياة المشتركة، بما حفلت به من أحداث وتقلبات ومحبة عميقة، لا يمكن أن تُنسى بسهولة.

وتروي قائلة:

«في صباح ذلك اليوم جاءت فهيمة، بينما كنت مستلقية في الفراش للراحة، وقالت لي إن الأطباء يجرون العملية للإمام، وإنها تُعرض عبر دائرة تلفزيونية مغلقة، وإن بإمكاننا الذهاب معًا. فقمت من فراشي وتوجهنا إلى المستشفى. وهناك كان أحمد والسيد هاشمي رفسنجاني جالسين في صالة المستشفى، فجلسنا معهما. وبعد أن استأصل الأطباء جزءًا من معدة الإمام ونظفوا الموضع، بدأوا بخياطة الجرح. وبعد دقائق قال السيد هاشمي: من الأفضل أن تنصرف السيدات، فهناك رجال في الخارج يرغبون بالدخول، كما أن العملية قد انتهت. فقمت وعدت إلى المنزل، أما السيدة فهيمة فبقيت وقالت إنها تريد البقاء.»

وتتابع:

«عدت إلى البيت وأنا في غاية القلق، وكنت أسأل باستمرار عن حال الإمام، حتى جاء الخبر بأنه قد استعاد وعيه.»

وفي المساء ذهبت لزيارته وسألته عن حاله، فنظر إليّ نظرة مفعمة بالحزن من دون أن يجيب، ثم أغمض عينيه. ناديته مرة أخرى: "آقا... آقا"، ففتح عينيه ونظر إليّ ثانية، لكنه لم يكن قادرًا على الكلام، ثم عاد وأغلقهما. ولم أستطع البقاء أكثر من بضع دقائق، لأن عددًا من الزائرين دخلوا الغرفة.

اليوم الأخير

وتقول:

«واصلت زيارته كل يوم، لكن في صباح اليوم الأخير نظر إليّ وقال: "ادعي لي أن أمضي"، ثم أغلق عينيه وبدا لي كأنه نام. وكان وضعه الصحي في ذلك اليوم سيئًا جدًا، فازداد قلقي. وعند الظهر ذهبت إلى المستشفى وقلت لفهيمة إن حال الإمام لا يبدو مطمئنًا، بل يزداد سوءًا يومًا بعد يوم، فقالت إنها تشعر بالأمر نفسه. وكان جميع أفراد الأسرة يعيشون حالة من القلق، ولم يكن بوسع أحد أن يفعل شيئًا سوى زيارة المستشفى والدعاء للإمام.»

وفي ذلك اليوم تحدث الإمام عند الظهر ببضع كلمات، وأشار إلى بعض الأمور، ثم نظر إلى الحاضرين وقال: «اذهبوا... اذهبوا، أريد أن أنام.» فخرج الجميع من الغرفة، غير أن الدكتورة زهرا مصطفوي بقيت واقفة هناك، بينما أغلق الإمام عينيه واستسلم للنوم.

وتضيف:

«عند الغروب ذهبت إليه فرأيت أن تنفسه أصبح مضطربًا. أمسكت بيده فوجدتها باردة، فقلت للدكتور عارفي: يبدو أن جهودكم ودعاءنا جميعًا لم تُجدِ نفعًا. فتحسس نبضه، ثم أومأ برأسه مؤكدًا ما قلت.»

الساعات الأخيرة

بعد غروب الشمس عادت السيدة خديجة إلى منزلها، وهي تعلم أن الإمام يعيش لحظاته الأخيرة، لكن شدة آلام الظهر لم تسمح لها بالبقاء أكثر. وبصعوبة وصلت إلى غرفتها وألقت بنفسها على سريرها.

وفي ذلك اليوم كانت قد صعدت ونزلت سلالم المنزل والمستشفى ثلاث مرات رغم آلامها الشديدة لتتمكن من زيارة الإمام، كما أن رؤيتها لتدهور حالته زادت من معاناتها النفسية، حتى لم تعد قادرة على الاحتمال، فسقطت منهكة على فراشها تتلوى من شدة الألم.

وللتخفيف من آلامها أعطاها المحيطون بها قرصًا أو قرصين منوّمين، فنامت، وللأسف عندما استيقظت قبيل الفجر كانت قد بلغتها أنباء رحيل الإمام.

ملاحظة: المقصود بـ«فهيمة» في الرواية هو الدكتورة زهرا مصطفوي.

--------------

موسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، مقتطف مترجم عن كتاب «سيدة الثورة، خديجة أخرى»، الصفحات 410–413(ف.).

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء