بقلم: د. عباس علي رهبر
إن دعم المسؤولين المجتهدين ومساندة الحكومة، في المنظومة الفكرية للإمام الخميني (قدس سره) والقائد الشهيد (رحمه الله)، ليس مجرد تكليف سياسي؛ بل هو جزء من آلية الحفاظ على الانسجام الوطني. ولا تعني هذه المساندة بطبيعة الحال التخلي عن النقد البنّاء؛ إذ كان الإمام الخميني (قدس سره) يرى أن النقد في إطار النصح والإصلاح وتعزيز بنية الدولة أمر ضروري.
وفي الظروف الحساسة الراهنة، حيث تقف إيران عند إحدى المنعطفات التاريخية في مسيرتها، فإن التقارب بين أركان النظام وشرائح المجتمع ليس مجرد توصية أخلاقية، بل أصبح حاجة حيوية للحفاظ على الأمن الوطني واستمرار تقدم البلاد. وتُظهر التجربة التاريخية للجمهورية الإسلامية أنه كلما وقف الشعب والمسؤولون جنباً إلى جنب، تحولت حتى أصعب الأزمات إلى فرص؛ وهي الحقيقة التي أصرّ عليها الإمام الخميني (قدس سره) منذ الأيام الأولى للثورة، واعتبر «وحدة الكلمة» شرطاً لبقاء إيران وازدهارها.
وفي الواقع، كانت الوحدة في المنظومة الفكرية للإمام (قدس سره) أكثر من مجرد توصية سياسية؛ فقد كانت آلية لتحويل الطاقات الاجتماعية المتفرقة إلى قوة وطنية.
واليوم أيضاً، في مواجهة الأعداء الخارجيين العنيدين وتهديدات المعارضين المسلحين، فإن تعزيز «الاتحاد المقدّس» ليس مجرد شعار، بل استراتيجية حقيقية لصون إيران العزيزة.
إن تماسك الإرادات الوطنية هو ذلك الدرع الفولاذي الذي كان الإمام (قدس سره) يعتبره الدعامة الأساسية للثورة؛ وهو درع يؤدي ضعف أي ضلع من أضلعه إلى إضعاف البنية الوطنية بأكملها.
ومن هذا المنظور، ينبغي اعتبار الوحدة الوطنية نوعاً من «رأس المال الاستراتيجي»؛ وهو رأس مال يعزز كفاءة المؤسسات السياسية، وقدرة البلاد على الردع، بل وكذلك قدراتها الاقتصادية والاجتماعية.
وكان القائد الشهيد للثورة الإسلامية (رحمه الله)، انطلاقاً من هذا النهج، يحذّر من أن جزءاً من تحديات الوحدة ناتج عن حالات الغفلة الداخلية.
وقد أكد أن القضية المهمة في مجال المصالح الوطنية هي اتحاد قلوب الناس، واتحاد عزائمهم وإراداتهم. وأشار إلى وجود مشكلات وتراجعات في هذا المجال، وإلى أهمية التواصل والتعاطف الاجتماعي، محذراً من أن المجتمع قد يعرّض وحدته الوطنية للخطر بأيدي أبنائه أنفسهم. كما شدد على أن الجميع شركاء في هذه الغفلة، وأن الجميع مسؤولون عن الحفاظ على الوحدة الوطنية، ووحدة الشعب، ووحدة الشعب والمسؤولين وتعزيزها يوماً بعد يوم؛ مؤكداً أن هذه هي السياسة الثابتة للجمهورية الإسلامية منذ بدايتها، وأن الإمام العظيم (قدس سره) كان يؤكد دائماً على قضية «الوحدة».
وكان يؤكد أن اختلاف وجهات النظر أمر طبيعي؛ لكن إذا ارتفعت هذه الاختلافات من مستوى المنافسة السياسية إلى مستوى النزاع والتخريب، فإن الوحدة الوطنية ستتضرر.
وهذا التمييز بين «تنوع وجهات النظر» و«التشتت الاستراتيجي» هو بالضبط التمييز الذي أكد عليه الإمام الخميني (قدس سره) مراراً؛ أي إن النقد وتعدد الآراء ينبغي أن يكونا ضمن إطار الحفاظ على أصل النظام والمصالح العامة.
وبعبارة أخرى، يستطيع المجتمع الاستفادة من تنوع الآراء ما دام لا يعاني انقساماً وتشرذماً في مبادئه الأساسية.
وفي شهر مهر عام 1404(اکتبر ۲۰۲۵)، أشار القائد الشهيد (رحمه الله) مرة أخرى، انطلاقاً من هذا المبدأ، إلى الوضع الراهن للمجتمع الإيراني، وقال إن الشعب متحد في الدفاع عن البلاد، رغم اختلاف توجهاته السياسية، وإن جهات خارجية تسعى إلى تشويه هذا الصوت الواحد.
وقال:
«اليوم، بحمد الله، البلاد متحدة. واليوم الشعب متحد. هناك اختلاف في وجهات النظر، واختلاف في التوجهات السياسية والاجتماعية، لكن في الدفاع عن النظام، والدفاع عن البلاد، والصمود في مواجهة العدو، فإن الشعب اليوم متحد... وعلى أهل البيان والقلم، وأولئك الذين يتحدثون ويكتبون ويبحثون وينشرون التغريدات، أن يفهموا ما الذي يفعلونه. إن هذا الاتحاد المقدّس، وهذا الاجتماع العظيم، وهذا الدرع الفولاذي النابع من قلوب الناس وإراداتهم، يجب ألا يتعرض للضرر. اليوم، بحمد الله، الوحدة موجودة. وعلى الشعب أن يحافظ على هذه الوحدة. وعلى المسؤولين أيضاً، الذين يعملون اليوم بحمد الله في غاية الاتحاد والتعاطف، أن يحافظوا عليها».
وهذا التحليل هو امتداد للرؤية نفسها التي تبناها الإمام (قدس سره)، إذ كان يحذر دائماً من «ابتعاد المسؤولين عن الشعب» ومن «إيجاد الانقسامات المصطنعة»، وكان يرى سر صمود الجمهورية الإسلامية في التآزر بين الدولة والشعب. وفي الواقع، كلما كان هذا الترابط الاجتماعي أكثر رسوخاً، ازدادت قدرة البلاد على تجاوز الضغوط الخارجية.
وفي مثل هذه الظروف، فإن دعم المسؤولين المجتهدين ومساندة الحكومة، في المنظومة الفكرية للإمام (قدس سره) والقائد الشهيد (رحمه الله)، ليس مجرد تكليف سياسي؛ بل هو جزء من آلية الحفاظ على الانسجام الوطني. ولا تعني هذه المساندة التخلي عن النقد البنّاء؛ فقد كان الإمام الخميني (قدس سره) يرى النقد ضرورياً في إطار النصح وتعزيز بنية البلاد، لكنه كان يحذر من أن يتحول النقد إلى مصدر لزرع اليأس أو انعدام الثقة أو إضعاف الأمل الاجتماعي. وبعبارة أخرى، إذا كان النقد في خدمة الإصلاح وتعزيز النظام، فإنه يمكن أن يكون عاملاً في ترسيخ الثقة العامة وزيادة كفاءة الحوكمة.
واليوم، وكما كان القائد الشهيد (رحمه الله) يؤكد، فإن الوحدة بين السلطات، وانسجام القوات المسلحة مع الشعب، والتعاطف بين التيارات الاجتماعية، تمثل الركائز الأساسية للأمن المستدام في البلاد.
وفي المقابل، يتركز مشروع العدو الرامي إلى كسر هذا الانسجام، قبل كل شيء، على «إضعاف الروح المعنوية الوطنية» وتقليص رأس المال الاجتماعي؛ وهو رأس المال الذي كان الإمام الخميني (قدس سره) يعتبره «معجزة انتصار الثورة».
إن إضعاف هذا الرصيد، حتى من دون وقوع أزمات صعبة، يمكن أن يقلل من قدرة المجتمع على مواجهة التحديات.
ومن هنا، من الضروري أن يضع محبو إيران والمخلصون للثورة أولوية جهودهم في تعزيز الأمل، ودعم الجهود الوطنية، وإعادة بناء التماسك الاجتماعي. وإذا أُعيد فهم «الاتحاد المقدّس» بمعناه الحقيقي، أي باعتباره تضامناً بين الشعب والمسؤولين والقوات المسلحة والنخب، فإنه يستطيع في هذا المنعطف التاريخي أن يؤدي دوره التاريخي من جديد.
إن إيران القوية هي نتاج هذا التعاطف العميق؛ ذلك التعاطف الذي وضع الإمام الخميني (قدس سره) أسسه، وأكد القائد الشهيد (رحمه الله) بوضوح وإصرار على استمراره، كما ظل يحظى بالتأكيد المستمر في خطاب القيادة الحالية. وهذا الرصيد يمثل مسؤولية مشتركة تقع على عاتق جميع المخلصين لإيران للحفاظ عليه وتعزيزه.
----------
القسم العربي، الشؤون الدولیة.