حماية خطاب الإمام في امتداد الزمن( القسم الاول)

حماية خطاب الإمام في امتداد الزمن( القسم الاول)

بقلم: بهمن مشكيني

من أهم المفاهيم البارزة في تراث الإمام، مسألة الثقة بالنفس والاعتماد على الذات. فقد تشكّلت الثورة الإسلامية في أجواء كانت فيها العديد من الهياكل السياسية والثقافية القائمة ترى أن إحداث تحوّل جذري أمر بعيد المنال. وكان من أهم تأثيرات قيادة الإمام أنه أوجد لدى شريحة واسعة من المجتمع إيمانًا بإمكانية الوقوف في وجه الهياكل المهيمنة واختيار مسار مختلف. وهذه الثقة بالنفس لا تقتصر على المجال السياسي، بل يمكن إعادة قراءتها في مجالات العلم والثقافة والإدارة والتكنولوجيا وإنتاج المعرفة أيضًا. فالمجتمع الذي يرى نفسه دائمًا مستهلكًا للنماذج الخارجية، سيفقد تدريجيًا قدرته على إنتاج حلول تتناسب مع مشكلاته الخاصة.

لا يمكن دراسة الإمام الخميني (رض) بوصفه مجرد شخصية تاريخية أو قائدًا لتحوّل سياسي في مرحلة معينة من التاريخ المعاصر لإيران. وتُفهم أهميته بصورة أفضل عندما تُنظر إلى مجموعة أبعاده الفكرية والعلمية والاجتماعية والسياسية جنبًا إلى جنب؛ فهو فقيه كان صاحب رأي ونظر في مختلف مجالات العلوم الإسلامية، ومفكر تابع العلاقة بين الدين والمجتمع في سياق قضايا عصره، وقائد استطاع تنظيم حركة اجتماعية واسعة، وشخصية تجاوزت آثار حضورها ونتائجه الحدود الجغرافية والزمنية لحياتها.

ومن هذا المنظور، لا تتمثل القضية الأساسية اليوم في مجرد «الحفاظ على آثار الإمام». بل إن السؤال الأهم هو: كيف يمكن إبقاء هذا التراث حيًا ومفهومًا وفاعلًا، بحيث تتمكن الأجيال الجديدة من التواصل معه، وتستطيع أفكار الإمام أن تقدم في مواجهة القضايا الجديدة للمجتمع كلامًا واضحًا وقابلًا للاستفادة؟

وهذا السؤال يجعل مهمة المؤسسات التي تتمثل رسالتها في حفظ ونشر آثار الإمام الخميني تتجاوز النشاط الأرشيفي والنشري البحت. فحفظ الوثائق ونشر الكتب وجمع الذكريات وصيانة الآثار أمور ضرورية، لكنها غير كافية. وهناك مرحلة أهم تنتظرنا: تبيين «الإمام اليوم»؛ أي إعادة اكتشاف أصول ومنطق فكر الإمام وترجمتهما إلى لغة قضايا واحتياجات العصر الحاضر.

شخصية تتجاوز مرحلة تاريخية واحدة

من صعوبات دراسة شخصيات مثل الإمام الخميني أن يبرز أحيانًا بُعد من أبعاد شخصيتهم بصورة طاغية بحيث تتوارى الأبعاد الأخرى إلى الهامش. وفي حالة الإمام، شكّل دوره السياسي وقيادته للثورة الإسلامية، بحق، جزءًا مهمًا من صورته العامة؛ لكن إذا اقتصر هذا التصوير على ذلك البعد وحده، فلن يُرى جزء كبير من تراثه الفكري والعلمي.

فالإمام الخميني، قبل أن يُعرف في موقع قائد الثورة، أمضى سنوات طويلة في تدريس الفقه والأصول والفلسفة والعرفان والأخلاق وتأليف البحوث وإجرائها. وينبغي وضع هذه الخلفية العلمية إلى جانب تجربته الاجتماعية والسياسية والإدارية. وتكمن أهمية هذا المزيج في أن قراراته ومواقفه السياسية لم تتشكل في فراغ، بل كانت في كثير من الحالات تستند إلى منظومة فكرية ومعرفية.

ومن جهة أخرى، لم يكن الإمام مجرد منظّر. ومن السمات المهمة لشخصيته الصلة بين الفكر والعمل. فكثير من المفاهيم التي طرحها في آثاره العلمية أو الأخلاقية أو السياسية، وجدت لاحقًا صورتها العملية في مواجهة قضايا المجتمع الواقعية. ومن هنا، فإن دراسة الإمام من دون النظر في الوقت نفسه إلى آثاره المكتوبة وأقواله وسيرته وقراراته والظروف التاريخية وتجربة قيادته، ستقدم صورة ناقصة.

خلال العقود الماضية، سعى قائد الثورة الإسلامية الشهيد أيضًا، في مناسبات مختلفة، إلى توضيح الأبعاد المتنوعة لشخصية الإمام والتأكيد على بعض المبادئ الثابتة لمدرسته. ويمكن لمجموع هذه الكلمات، إلى جانب الآثار الأصلية للإمام، أن يشكل أحد المصادر المهمة للتعرف على المكونات التي حافظت على موضوعيتها عبر الزمن.

لكن حتى هذا التراث الواسع لن يمكن نقله إلى جيل اليوم إلا إذا تجاوزنا مستوى نقل الاقتباسات وإحياء المناسبات، ووصلنا إلى مرحلة «التبيين».

----------

القسم العربي، الشؤون الدولیة، موقع جماران الاخباري.

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء