أكد الأمين العام لحزب الله لبنان الشيخ نعيم قاسم، أن الوحدة الإسلامية الحقيقية تتجلى في المواجهة العملية المشتركة للعدو الأمريكي "الإسرائيلي"، مستشهدا بصمود إيران وفلسطين كنموذج يحتذى به.
أن الشيخ قاسم، وفي رسالة متلفزة بعث بها الى المؤتمر الدولي الـ40 للوحدة الاسلامية، أکد على ان "الانتصار مرهون بالتمسك بالوحدة والاستمرار في التضحية مهما كلف الثمن".
ودعا الامين العام لحزب الله في رسالته، العلماء والقادة إلى تحمّل مسؤولياتهم التاريخية بنشر ثقافة الوحدة العملية، والانتقال من مرحلة "القول" إلى مرحلة "الفعل"؛ معتبرا أن مؤتمر الوحدة في طهران هو فرصة سانحة لإعادة تعريف المشترك الإسلامي في مواجهة التحديات الراهنة.
وفیما یلي نص رسالة الشيخ نعيم قاسم:-
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق، سيدنا ومولانا وقائدنا أبي القاسم محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحبه الأبرار المنتجبين، وعلى جميع الأنبياء والصالحين إلى يوم الدين. سلام الله ورحمته وبركاته عليكم.
أبارك لكم مولد النبي الكريم، سيد المرسلين وخاتم النبيين، محمد صلى الله عليه وآله وسلّم. هذا المولد العظيم أشرق بنور الحق على البشرية، فانتفعت به الأمم، وسيظل كذلك إلى قيام الساعة.
إنّ النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم هو نبي جميع المسلمين، سنة وشيعة، ومع ما بين المذاهب من تنوع، فهو رمز الوحدة الإسلامية؛ لأنّ الجميع يرجعون إليه: [مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ ۚ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ].
وتعاليم الإسلام تؤكّد على الوحدة تأكيدا كبيرا: [إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ]، وقوله تعالى: [وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا].
وهذه النظرة التوحيدية الإسلامية هي ما سعى إليها إمامنا وقائدنا الشهيد، السيد علي الخامنئي قدس سره، بثبات وصلابة؛ إذ عمّم مفهوم الوحدة، وأشار إليه في لقاءاته وخطاباته الكثيرة، والتزم به في الميدان العملي؛ حتى إنّنا اليوم، كلما ذكر اسم الإمام الخامنئي قدس سره، يرافقه هذا المفهوم، بفضل جهوده العظيمة في ترسيخ الوحدة الإسلامية.
في عام 2007، أي منذ نحو تسعة عشر عاما، أعلن كعادته شعار العام، وكان شعار ذلك العام "الوحدة الوطنية والانسجام الإسلامي". فقال: على الصعيد الداخلي، لا بد من التلاحم والتماسك بين جميع أبناء الأمة، رغم اختلاف قومياتهم وتعدد مذاهبهم وطبقاتهم؛ وعلى الصعيد العالمي، لا بد من الحفاظ على تماسك جميع المسلمين والعلاقات الأخوية بين كل أفراد الأمة الإسلامية، رغم تنوع ميولهم المذهبية.
انتبهوا كيف وسع دائرة الوحدة الإسلامية: الوحدة داخل البلاد، أي في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، على مستوى المذاهب والقوميات والأعراق والمناطق والقرى وكل الأمكنة. فالوحدة على الصعيد الداخلي لا تعترف بحدود. وكذلك الوحدة على الصعيد العالمي وفي أرجاء العالم الإسلامي كلها، بين السنة والشيعة، ينبغي أن تمتد وتكون جزءا لا يتجزأ من تلك الوحدة التي يدعو إليها.
وقال في موضع آخر: لا ينبغي للخلافات بين الفرق الإسلامية أن تجرنا إلى فتح جبهة جديدة ضد بعضنا البعض، وتجعلنا ننسى عدونا الأساسي؛ ذلك العدو الذي يعادي أصل الإسلام واستقلالنا وتحسين أوضاع أمم المنطقة.
انظروا إلى هذا الربط العميق بين الوحدة الإسلامية بمعنى التعاون والتنسيق ومواجهة العدو المشترك الذي يريد القضاء على المسلمين ومشروعهم.
وعلى ضوء توجيهات الإمام الخامنئي قدس سره، نواجه ركيزتين أساسيتين للوحدة: الركيزة الأولى: التضامن، والتواصل، والتعاون، والتآزر، والتراحم، والتأييد، والتنسيق؛ أي كل ما يجعلنا متحدين في جميع الميادين. والركيزة الثانية: التصدي للعدو المشترك؛ لأنّ هذا العدو يريد استهدافنا جميعا في الفكر والسلوك، والدولة والاقتصاد، والثقافة والأرض، والحرية والكرامة.
فإذا نقلنا هذا الفهم للوحدة من المستوى النظري إلى المستوى العملي، تقوم هذه الوحدة على ركنين: التنسيق والتعاون والعمل المشترك من جهة، والمواجهة الموحدة للعدو من جهة أخرى.
وهذا هو نهج الإمام الخميني قدس الله روحه الشريف، الذي أعلن أسبوع الوحدة من الثاني عشر إلى السابع عشر من ربيع الأول، ودعم حركات التحرر في العالم في مواجهة التحديات والأعداء. فهذه كلها نهج واحد ومسار واحد.
وهنا لا بد من التأكيد على أنّه إذا كنا نريد وحدة راسخة ومستدامة، فعلينا أن نلتقي حول ولي الفقيه، محور الوحدة؛ فعلينا أن نلتف حول آية الله السيد مجتبى الخامنئي دام ظله؛ لأنّنا بحاجة إلى محور مشترك شامل يربطنا بالنبي الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذه الوحدة العملية التي سار عليها إمامنا الشهيد، هي التي أبقت قضية فلسطين حية.
فليس مجرد التحدث عن الوحدة مع الفلسطينيين ولا القول بأنّ الحق معهم يكفي، ولا عقد الاجتماعات السياسية يكفي. ما قدم لفلسطين كان المال والسلاح والدماء والمواجهة والعداوة المشتركة للعدو "الإسرائيلي"، ومعها العدو الأمريكي. وكل ذلك يعبر عن الوحدة الحقيقية؛ الوحدة التي فهمها قائدنا بهذا المعنى.
وهذه الوحدة هي التي حولت إيران إلى إيران الإسلام؛ حتى وقفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بشعبها وجيشها وقواتها المسلحة وقيادتها ونخبها على جميع المستويات، صفا واحدا في وجه الأعداء، وانتصرت عليهم بإحباط تحقيق أهداف العدو الأمريكي "الإسرائيلي".
ولو لم تكن الوحدة العملية المتجلية في قيادة الإمام الشهيد، ولو لم تظهر هذه الوحدة في تشييع جمع عشرات الملايين في إيران والعراق، بل عشرات الملايين في أنحاء العالم، لما كان هذا الصمود ممكنا. وهذه الوحدة حول محور القيادة ساعدت إيران على الثبات.
هنا أبعث بتحية عظيمة إلى الشعب الإيراني؛ الشعب الذي يمثل قدوة للأمم، وحارسا لمسار الوحدة على نهج النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلّم.
وتجلت هذه الوحدة أيضا في لبنان، بين حزب الله وحركة أمل وسائر القوى السياسية التي لا تعترف بـ"إسرائيل"، وتطالب بالحرية، وتؤكد على الكرامة والمكانة اللائقة.
وهذه هي الوحدة التي حث عليها إمامنا وقائدنا، والتي مضى بها السيد الشهيد، السيد حسن نصر الله رضوان الله عليه، بثبات وقوة؛ حتى تمكنا من هزيمة العدو "الإسرائيلي" بإحباط تحقيق أهدافه.
واليوم، كلنا نرى كيف تعمل أمريكا كعدوة للأمم، وكيف تسعى لاجتثاث جذور المشروع الإسلامي وحقوق الإنسان في المنطقة والعالم. فأمريكا تريد الأرض والمستقبل، وتريد قيادة الأمم وفق خياراتها المنحرفة لتكون الشعوب عبيداً لها.
لكن ينبغي لنا أن نقف كما وقفت الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وكيف لا نتّحد جميعا، والكفر والانحراف والظلم كلها متحدة وتدعو إلى التماسك؟! لقد هزمت أمريكا و"إسرائيل"، بفضل وحدة وصمود الشعب الإيراني، في ثلاث حروب ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وهذا الشعب العظيم استطاع أن يخلق ملحمة كبرى. فما دمنا صامدين ومدافعين عن حقوقنا وأرضنا وحريتنا، فلن يستطيعوا تحقيق مشروعهم ولن يفلحوا؛ ولو قدمنا تضحيات جساماً ودماء غزيرة.
وفي الحقيقة، إنّ هذه التضحيات، مقرونة بالوحدة، هي السبيل الطبيعي لهزيمة مخطط الأعداء وتثبيت حقّنا في خياراتنا ودولنا ومقاومتنا. وأي تراجع أمام العدو يؤدي إلى هلاكنا على يديه؛ لأنّه يعمل بلا رحمة ويريد السيادة على العالم دون احترام لأي إنسان أو أي حق إنساني. وفي المقابل، فإن أي صمود، ولو كان مكلفا، يوقف عدوان العدو ويمهد لاستعادة مكانتنا.
قد يقول قائل: إنّ التكاليف والتضحيات باهظة جداً؛ صحيح، ولكن هذه التضحيات الكبيرة في هذه المرحلة تمهّد للخطوات القادمة. ومهما فعل العدو الأمريكي و"الإسرائيلي"، ومهما اشتدّت العقوبات أو الاعتداءات العسكرية، فإنّ الصمود والاستمرار على أساس الوحدة، بإذن الله تعالى، سيحقق أهدافنا بهزيمة مشروع العدو.
فتبارك لكم هذا المولد السعيد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والإمام الصادق عليه السلام؛ إن شاء الله نكون دائما متحدين في مواجهة أعداء الله.