الامام الخميني والناس

الامام الخميني والناس

خواطر منقولة عن حجة الاسلام والمسلمين محمد علي انصاري

بقلم: حسَّان عامل

 

يقول "انصاري كرماني" وهو احد المقربين من الامام الخميني (قدس سره): "انّ علاقة الامام بالناس لم تكن علاقة عادية بل انها العشق بعينه وهي مشابهة لعلاقة النبي (ص) مع الناس، وكما يصفها الله تعالى بقوله: (حريص عليكم ما عنتم بالمؤمنين رؤوف رحيم).

-وكان الامام- شديد الحرص على سعادة الناس.. وهو مثل أب رحيم يطلب السعادة باستمرار لأبنائه الطاهرين. يبكي الامام عندما يجلس امام التلفزيون ويشاهد مايعرض على الشاشة من صور مؤلمة حول الفقر والحرمان".

إن علاقة الامام بالناس كانت تجعله حريصاً على شعورهم واحاسيسهم مهما كانت الطبقة التي ينتمون اليها، ويقول "كرماني" كان "الامام يوصي المسؤولين دائما ان يكونوا خدماً للناس، ودائماً ينبه اعضاء مكتبه ان لا يسيئوا معاملة الناس وان يعترضوهم –وحدث انه خرج الامام يوماً من بيته في الوقت الذي تجمهر الناس فية بشكل كبير حول الحواجز الحديدية الموضوعة، وزاد التجمهر والضغط على الناس عندما طلع الامام عليهم، نظر الامام حوله وادار وجهه نحونا وقال: اذا لم ترفعوا هذه الحواجز الحديدية غدا فساحرقها" والامام كان يعتبر نفسه فرداً من أفراد الشعب يجب ان يعيش كما يعيشون ويقول "كرماني": "في بعض الاحيان وعندما كان الثلج ينزل فتحنا المظلة فوق راس الامام لتقيه من الثلج، فغضب لذلك وقال: ولكن ماذا يفعل الناس؟ لاحاجة لي بالمظلة، كما أن الروح الانسانية التي يحملها الامام عالية وكبيرة الى حد انه كان يجيب الافراد على اسئلتهم العائلية والشخصية ومسائل اخرى مماثلة، بالرغم من كثرة المشاكل والمسؤوليات التي يواجهها".

كما انّ ثقة الامام العالية بالناس من حوله، كانت تجعله يمتنع عن قبول حرّاس معه بالرغم من المسألة الأمنية الصعبة التي كانت في الايام الاولى لانتصار الثورة، فقد " منع الحرسَ من مرافقته- في قم- وكان يقول دائماً: "لا أريد حارساً مسلحاً" على الرغم من وجود خطر بسبب زياراته الليلية لبيوت الشهداء والفضلاء".

اهالي "قم" عشقوا الامام واعتبرواه جزءاً كبيراً من حياتهم اليومية، يكحلون به عيونهم ويشحنون منه عزيمتهم، فهم ومجرد ان يسمعوا "بمرور الامام (قدس سره) من شارع معين او احد الازقة، يخرجون من بيوتهم ويتجمهرون حول سيارة الامام، وحتى انهم يصعدون على سقف السيارة، حينها لايعلم السائق الى اين يتجه ولاحتى الامام. وفي الوقت نفسه يقول الامام –لحراسه-: ان الناس سيحافظون علي، فلا ترافقوني ولكننا وبالطبع كنا نرسل سيارة فيها عدد من الحراس وبشكل غير ظاهر للاطمئنان- الى حد ما- على سلامة الامام. وعندما يستقل الامام السيارة فعلى السائق ان يسير ببطء ليتمكن الامام من الرد على عواطف الجماهير بشكل تام، قمت ولعدة ايام بقيادة السيارة، فكان كثيراً ما يأمرني الامام: إنتبه لاتسير بسرعة، او يقول: لماذا تسير بسرعة؟؟ وفي بعض الاحيان يكون الطريق مفتوحاً امام السيارة، ولكن الامام يأمر و يقول: اوقفوا السيارة لأرى الناس، واحيانا كان الفتيان يركضون خلف السيارة حتى تقف إلى جنب بيت الامام، ليتمكنوا من الدخول معه الى البيت حيث يقدم لهم كتباً او هدية" ويضيف "كرماني": "احياناً يأتي أبناءُ العشائر لزيارة الامام وهم من ذوي الاجسام الضخمة القوية حتى يبدو انه بمقدور احدهم ان يضع عشرة منا في جيبه وعندما كنّا نمنعهم من الدخول الى بيت الامام، فانهم كانوا وبحركة واحدة يطرحوننا جانباً ويفتحون الباب ليذهبوا للقاء الامام".

وفي معرض حديثنا عن روحية الامام العالية في كيفية تعامله مع الجماهير ورجال الدولة، كنا نجد انّ بعض رجال السياسة الذين انتخبوا في بداية الثورة الاسلامية في ايران كانوا مطعمين بالنمط الغربي والبروتوكولات في التعاطي حتى مع رجال الدين، او من كانوا اقل منهم رتبة، وعلى سبيل المثال يذكر "كرماني" انّه" قدم بني صدر في احد الايام الى مكتب الامام، حيث كان هناك المرحوم الشهيد رجائي، وكان جالساً وعندما دخل بني صدر إلى الغرفة، قام رجائي من مكانه احتراماً وسلم على بني صدر، غير ان بني صدر لم يوجه عنايته للسلام، بل ذهب و جلس على الكرسي وظهره الى رجائي واشغل نفسه باستعمال الهاتف، ثم قام من مكانه وخرج وكان تحليله دائماً لمثل هذه التصرفات قوله: ليس جارياً في الأعراف الدولية او السياسية أن يقف رئيس الجمهورية بين يدي رئيس وزرائه، وإذا فعل رئيس الجمهورية ذلك فسيحط من مكانته او مقامه. وكان بني صدر يعتبر ان رد السلام مخالفة للأعراف الدولية ويقول: إن ما اريد ان اؤكد عليه هو انكم تفتقرون الى النظرة السياسية".

هذا المقياس الغربي، وهذه البروتوكولات البعيدة عن الاسلام كان الامام يرفضها، لأنه كان يعيش روحية الاسلام نمطاً وعملاً، وفي هذا الصدد يقول السيد "كرماني": " كان الامام عندما يأتي الى الغرفة ويجلس على السجاد المفروش فيها، إلى جانب الشخصيات العالمية والعادية، ويعقد الحلقات ليتحدث معهم، فإن الانسان يصاب بالذهول حقاً إزاءَ الروح التي يحملها الامام".

إنّ محبوبية الجماهير للامام، كانت تجعله في احيان كثيرة يقف وسط امواج من البشر تحلقوا حوله وهم يمنون النفس، بنظرة، او بقبلة... وكان الامام يتقبل كل ذلك برحابة صدر، كيف لا؟ او ليس هو الأب الرؤوف. والقلب الرحيم، لقد حمل همومهم في صدره. واختزن احزانهم في قلبه.. فاحبوه قائداً واباً، واحبهم خادماً لله، وفي سبيل مرضاة الله... وكثيرة هي المواقف الجياشة بين الامام والجماهير.

ونذكر منها ما ذكره السيد "كرماني" قال: " هناك احداث رائعة تتجلى من خلال الروح الانسانية التي يحملها الامام منها: عندما توفي آية الله طالقاني، ذهب الامام الى مجلس الفاتحة المُقام على روحه في المسجد الأعظم (بقم)، وكانت الجماهير مكتظة فيه، وما أن انتهى المجلس، حتى التفّت الجموع حول الامام، واكتظ المقام بشكل هائل، وبصعوبة كبيرة استطعنا أن نُخرج الامام من وسط هذه الحشود، بعد ان سقطت عمامته عن رأسه وحتى انه ضاع حذاؤه، وفي صباح اليوم الثاني قرر الامام ان يذهب الى المجلس ثانية، ارسلنا قبله عدداً من الحرس لترتيب الامور، واغلقت احدى بوابات المسجد وجاء الامام وجلس بجوار مقبرة أية الله بروجردي، لم يتقدم احد من الامام حتى  بعد انتهاء مراسيم التعزية بكاملها تقدم الامام نحو الجماهير بدلاً من ان يذهب الى السيارة مباشرة، فاحاطوا به من كل جانب مرة اخرى، وبشكل لم يكن افضل مما كان عليه في اليوم السابق، ثم تقدم حتى استقل السيارة و في طريقه الى السيارة، قال للمرحوم آية الله اشراقي و لحجة الاسلام صانعي:" من قال لكم ان تعترضوا الناس و تتركوهم خلف الباب، لاتتكرر مثل هذه التصرفات مرة ثانية".

واخيراً فانّ هذه المشاهد الحيّة التي عرضناها، ليست سوى خيطاً رفيعاً في ثوب العشق الروحاني بين الامام والامة... فقد صدقت الامة في مشاعرها وعواطفها، فهي كما استقبلت الامام القائد (قدس سره)، ودعته، وأن الملايين العشرة التي حوّلت شوارع طهران و قم الى بحر من البشر لهو اصدق تعبير واكبر شهادة على المستوى التعبوي والايماني الذي وصلت اليه الامة في تعاملها مع خط الثورة وامام القرن العشرين.

وسيبقى الامام الخميني(قدس سره) خاتم بُصِمَت ثناياه في جسد الزمن وقبضة غضب تعلو كلما لاحت في الافق اصنام المستكبرين.

المرجع:العهد، رقم 264 (14/7/1989م)

 

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء