المناجات الشعبانیة فی فکر الإمام الخمینی (قدس)

المناجات الشعبانیة فی فکر الإمام الخمینی (قدس)

 محمد هاشم نعمت الهی 


إنّ الإمام الخمینی (قدس)، الذی یعتبر مثالاً للعارف الکامل، الذی أستطاع أن یخرج نفسه بقلب مطمئن من منزلقات الدنیا ومغریاتها، کان یدعوا مختلف المسؤولین ومختلف قطاعات الشعب فی لقاءاته، إلى قراءة الأدعیة والتدبر فیها؛ وهذا ما نجده فی الکثیر من المقاطع المختلفة المقتطفة من کلماته.

فقد کان یلفت الأنظار فی مناسبات مختلفة إلى المناجات الشعبانیة،(1) ویمجدها، ویدعوا إلى المواظبة علیها، ویمکن القول إنّها من الأدعیة الشریفة التی کانت أنساً للإمام (قدس).

إنّ ما نود التعرض إلیه فیما یلی هو أهمیة قراءة الدعاء فی شهر شعبان بصورة عامة، وأهمیة قراءة المناجات الشعبانیة فی فکر الإمام الخمینی (قدس) بصورة خاصة.

أهمیة قراءة الدعاء فی شهر شعبان

«إنّ هذه الأدعیة التی تخصّ الشهور والأیام، ولا سیما فی أشهر رجب وشعبان ورمضان، تقوی الروح بشکل کبیر وتفتح الطریق للإنسان إن کان جدیراً بها ـ ونحن لسنا کذلک ـ وهی کشّاف نور یفعل المعجزات لإخراج البشر من هذه الظلمات إلى النور. فاهتموا بهذه الأدعیة ولا تنخدعوا بأقوال بعض الکتّاب أمثال ((کسروی)) الذین کانوا یقلّلون من شأن الأدعیة ویضعفونها، فهذا الإضعاف هو إضعاف للإسلام، إنّهم لا یدرکون إنّهم مساکین! لا یعلمون أنّ فی هذا الکتاب أشیاء هی مسائل القرآن بلغة اُخرى هی لغة الأئمة! فلغة القرآن نوع من اللغات ولغة الدعاء نوع آخر. إنّ الذی یخرج الإنسان من دار الظلمات هذه وینقذ النفس من الابتلاءات والحیرة المسیطرة علیها، إنّما هو الأدعیة التی نقلت لنا عن الأئمة [ع]. لقد کان أئمتنا [ع] کلهم تقریباً یعانون من القوى العظمى ولا یستطیعون القیام بعمل مهم. فبالإضافة إلى الإرشادات السریة التی کانوا یقومون بها، کانت لدیهم هذه الأدعیة کی یؤهلوا الناس للصمود أمام تلک الحکومات المسیطرة. فحینما کان الأشخاص یقرؤون هذه الأدعیة، تکسبهم قدرة معنویة وتخفف عنهم أعباءهم وتهوّن علیهم الاستشهاد.

إنّ أدعیة شهر رجب المبارک وخاصة شهر شعبان المبارک، مقدمة وتمهید لإعداد قلب الإنسان للذهاب إلى الضیافة، الضیافة التی تمدّ فیها مائدة القرآن الکریم، والمکان الذی تقام فیه هذه الضیافة، أهمه لیلة القدر، والضیافة المعدّة هی ضیافة تنزیهیة وإثباتیة وتعلیمیة».(3)

ویقول الإمام (قدس) فی مکان آخر:

«علیکم بقراءة الأدعیة المأثورة فی شهر شعبان المعظم، کما تقرؤونها فی شهر رمضان المبارک، وینبغی التدبر فیها».(4)

المناجات الشعبانیة

إنّ هذا الإمام (قدس) العارف الزاهد، والواصل الکامل، یتعرّض فی کلماته إلى المناجات الشعبانیة بین الحین والآخر، ویدعو المسؤولین وأبناء الشعب إلى القراءة والتدبر فی مقاطع هذه الأدعیة القیّمة، ویوصیهم بذلک.

یقول (قدس):

«إنّنی لم أرى دعاءً قیل عنه أنّ الأئمة جمیعاً کانوا یقرؤونه، إلا المناجات الشعبانیة؛ لأنّها تُعد الجمیع لضیافة الله.»(5)

ویقول (قدس) فی فقرة أخرى:

«إنّ المناجات الشعبانیة من المناجات التی قل أن یوجد لها نظیر، فهی کدعاء أبی حمزة الثمالی المأثور عن الإمام السجاد (ع) الذی قلّ أن نجد له نظیراً، ودعاء کمیل والدعاء المأثور فی شعبان الذی هو أحد الأدعیة التی تقرأ فی لیلة النصف من شعبان حیث یشتمل على أسرار أیدینا قاصرة عن بلوغها. لقد وردت أدعیة عن أئمة الهدى یجب التدبر فی مضامینها وعلى ذوی الرأی والمعرفة أن یشرحوها ویعرضوها للناس، إنّ کان لیس بمقدور أحد شرح کنه هذه الحقائق»(6)

کما یشیر هذا العارف الأبی إلى عظمة المناجات الشعبانیة، فیقول:

«إنّ المناجات الشعبانیة من أهم الأدعیة، ومن أعظم المعارف الإلهیة، وأکبر ما یمکن أن یستفید منه أهلها على قدر إدراکهم.»(7)

ویُعبّر (قدس) قائلاً:

«لو لم یکن فی الأدعیة سوى المناجات الشعبانیة لکان کافیاً لإثبات حقانیة أئمتنا، فکل القضایا التی یقولها العرفاء فی الکتب المطولة توجد فی بعض کلمات المناجات الشعبانیة، بل إنّ عرفاء الإسلام قد استفادوا من هذه الأدعیة التی وردت فی الإسلام...

تلک الأدعیة التی یقول فیها بعض مشایخنا(8): (إنّ القرآن قرآن نازل نزل إلى الأسفل، والدعاء یرتفع من الأسفل إلى الأعلى، فهو کالقرآن الصاعد)، والأدعیة ترید أن تصنع من الإنسان (آدمیاً). الإنسان الذی لو ترک وشأنه سیکون أکثر توحشاً من جمیع الحیوانات.

إنّ الأدعیة بما فیها من لغة خاصة، تأخذ بید الإنسان وترفعه إلى الأعلى، الأعلى الذی لا نستطیع أنا وأنت أن ندرکه.»(9)

وکذلک یقول (قدس):

«إنّ المناجات الشعبانیة من المناجات التی لو یتعمق الإنسان ویفکر فیها، فإنّها ستصل به إلى مدارج الکمال. ومع أنّ الأئمة علیهم السلام الذین کانوا یقرؤونها بأجمعهم ـ بحسب الروایات ـ قد بلغوا أسمى مراتب الکمال، إلا إنّهم کانوا یقرؤونها کما هی؛ لأنّه لم یکن أحدهم یرى لنفسه شیء مقابل عظمة الله تعالى، فلم یکن الإمام الصادق ـ مثلاً ـ یستأثر بنفسه على الآخرین، بل کان یناجی الله کما یناجیه الغارق فی معاصیه؛ لأنّه کان ینظر لنفسه وکأنه لا یملک شیئاً، وکل ما یملک فهو نقص، وکل ما عنده ملک لله، وکل کمال لله، فهو لا شیء أمام مالک الملک، حتى الأنبیاء لا یملکون شیئاً أمام الله، وکلهم تبعاً له، وکل أنواع الفطرة تابعة له، إلا أننا لا ندرک هذه التبعیة؛ لأننا محجوبون، أما الذین یدرکون ذلک فهم الکاملون الذین ینقادون لهذه المعانی، فهم یدرکون معنى (الکمال الانقطاعی) الذی کانوا ینشدونه، هذا الانقطاع المتمثل بالتجنب عن کل موجود سوى الله»(10)

«إنّنی لا أتصور إنّ هناک دعاء قرأه جمیع الأئمة إلا المناجات الواردة فی شهر شعبان، فإنّ المناجات الشعبانیة هی مناجات جمیع الأئمة، وفیها الکثیر من المعارف، والأدب الذی یعلم الإنسان کیف یناجی ربه، فنحن غافلون عن المعانی التی فی هذه المناجات، ولعل بعض الجُهّال یعتقدون بأنّ الأدعیة المأثورة، والأمور الواردة عن الأئمة هی أمور تشریفیة، یریدون أن یعلموننا من خلالها، مع أنّ المسألة لیست کذلک، المسألة أنّهم قد امتثلوا أمام الله، وهم یدرکون عظمة من وقفوا أمامه، فهم على معرفة بالله تبارک وتعالى، ویدرکون ما یفعلون، وإنّ المناجات الشعبانیة من المناجات التی إذا أراد أحد الأشخاص المخلصین العارفین ـ لیس باللسان فقط ـ أن یقوم بشرحها للآخرین، لأنّ هذه المناجات بحاجة للشرح کبقیة أدعیة الأئمة علیهم السلام، وإنّ ذلک یعتبر عملاً قیماً»(11)

نأمل من الله تعالى، أن یجعل قلوبنا تأنس بالأدعیة فی شهر شعبان، شهر الرسول (ص)، وأن یوفقنا للاستعداد والنجاح والسعادة فی الضیافة الإلهیة العظمى، من خلال قراءة الأدعیة المأثورة عن الأئمة الأطهار(ع)، والتدبر فیها.

---------------------------------------------------

(1) ـ لقد نقل هذا الدعاء العالم الجلیل القدر على بن طاووس فی أعمال شهر شعبان عن الحسین بن محمد «ابن خالویه»، وقال إنّ أمیر المؤمنین وأبنائه علیهم السلام، کانوا یقرؤون هذا الدعاء دائماً فی شهر شعبان. (إقبال الأعمال، ص685)، (مفاتیح الجنان، أعمال شهر شعبان).

 (2) ـ احمد کسروی التبریزی من الکتاب والمؤرخین المعروفین، الذی کان یجتنب استعمال الألفاظ العربیة فی خمسین أثر من آثاره التی ألفها، ومع أنّه کان یرتدی زی العلماء فی شبابه، تحول بعد ذلک إلى عنصر یعمل ضد الدین والعلماء، وأقترح أن تحرق جمیع الکتب المکتوبة باللغة العربیة والمتعلقة بالدین، ومن جملتها القرآن الکریم ومفاتیح الجنان، وأخیراً کانت عاقبته الاغتیال على ید أحد فدائی الإسلام عندما کان یراجع أحد المحاکم.

(3) ـ صحیفة الإمام: ج‏13، ص: 32 و 33.

(4) ـ صحیفة الإمام: ج‏20، ص: 249،250.

(5) ـ صحیفة الإمام: ج‏13، ص: 31.

(6) ـ صحیفة الإمام: ج‏20، ص: 250.

(7) ـ صحیفة الإمام: ج‏17، ص: 456

(8) ـ السید محمد علی شاه آبادی، أستاذ الإمام بالعرفان.

(9) ـ صحیفة الإمام: ج‏13، ص: 31 و 32.

(10) ـ صحیفة الإمام: ج‏19، ص: 253.

(11) ـ صحیفة الإمام: ج‏17، ص: 527.

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء