رسالة الإمام الخميني (قدس سره) إلى غورباتشوف: نقد أسس النظام الدولي المهيمن وطرح نظرية بديلة

رسالة الإمام الخميني (قدس سره) إلى غورباتشوف: نقد أسس النظام الدولي المهيمن وطرح نظرية بديلة

إنّ الرسالة التاريخية التي وجّهها الإمام الخميني (قدس سره) إلى ميخائيل غورباتشوف، آخر زعيم للاتحاد السوفيتي، في شهر دي/يناير 1989م، وفي أجواء انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية، لا يمكن اختزالها في كونها مجرّد تحذير سياسي أو موعظة أخلاقية. فهذا النص ينطوي على طبقات عميقة من الدلالات النظرية، بحيث يمكن اعتباره محاولة واعية لإعادة التفكير في الأسس التحليلية للعلاقات الدولية ونقد النماذج المهيمنة في هذا الحقل. إن رسالة الإمام (قدس سره)، بتجاوزها للأطر الشائعة في تفسير سلوك الدول، تقدّم قراءة بديلة لأسباب أزمات وانهيار الأنظمة السياسية الحديثة؛ قراءة تبحث عن جذور الانهيار لا في توازنات القوة الصلبة، بل في أزمة المعنى والرؤية الكونية.

1. نقد الواقعية والاختزال المادي

في زمن كتابة هذه الرسالة، كانت الواقعية البنيوية (Structural Realism) تُعدّ النموذج المهيمن في التنظير للعلاقات الدولية. وتنظر هذه المقاربة إلى النظام الدولي بوصفه ساحة فوضوية تسعى فيها الدول، باعتبارها فاعلين عقلانيين، إلى تعظيم قوتها المادية وضمان بقائها. وفي هذا الإطار، كان انهيار الاتحاد السوفيتي يُفسَّر غالباً بعوامل من قبيل الضغوط الاقتصادية، والاستنزاف الناتج عن سباق التسلّح، أو اختلال توازن القوى.

غير أنّ رسالة الإمام الخميني (قدس سره) تتحدى هذا المنطق التفسيري تحدّياً جذرياً؛ إذ يعرّف الإمام الجذر الأساسي لأزمة الاتحاد السوفيتي لا في عناصر «القوة الصلبة»، بل في غياب الأساس المعرفي والميتافيزيقي الصحيح من جهة، وهيمنة النظرة المادية إلى الإنسان والعالم من جهة أخرى. ومن هذا المنظور، فإن القوة المادية المجردة من السند الروحي لا تضمن البقاء والاستقرار فحسب، بل تتحول إلى عامل تآكل داخلي يقود إلى الانهيار التدريجي للنظام السياسي.

وعلى الرغم من أنّ هذا التحليل يتقاطع، على المستوى المنهجي، مع بعض افتراضات البنائية ـ ولا سيما التأكيد على دور الأفكار والمعتقدات والهويات ـ إلا أنّه يتجاوزها؛ لأنّ الإمام الخميني (قدس سره) لا ينظر إلى الأفكار باعتبارها مجرد بناءات اجتماعية، بل يعدّها متكئة على حقيقة أنطولوجية مستقلة عن الإرادة الجمعية للإنسان، أي الإيمان والأمر القدسي.

2. نقد الليبرالية وفكرة التقدّم الخطي

في المقابل، كانت الليبرالية الدولية والمؤسسية الليبرالية ترى مخرج الأزمات التي تعاني منها الأنظمة المغلقة في التنمية الاقتصادية، وتوسيع السوق، والاندماج في المؤسسات الدولية. ووفق هذا التصور، عُدّ انتقال الاتحاد السوفيتي من الشيوعية إلى الرأسمالية مساراً «طبيعياً» وحتمياً نحو الاستقرار والتقدّم.

لكن الإمام الخميني (قدس سره) ينتقد هذا الافتراض أيضاً بوضوح في رسالته. فتحذيره الشهير بأن «مشكلتكم الأساسية ليست اقتصادية» يمثّل في جوهره نقداً عميقاً لفكرة التقدّم الخطي الليبرالية. فمن وجهة نظر الإمام (قدس سره)، فإن استبدال الشيوعية بالرأسمالية لا يُعدّ خروجاً من الأزمة، بل هو نقل للإنسان من نظام مادي إلى نظام أكثر مادية؛ نظام تحلّ فيه هيمنة السوق والربح محلّ هيمنة الأيديولوجيا الرسمية للدولة.

ويمكن النظر إلى هذا المقطع من الرسالة بوصفه استشرافاً مبكّراً، بل وتمهيداً، للنقدات اللاحقة الموجّهة إلى النيوليبرالية؛ تلك النقدات التي تتحدث عن أزمات أخلاقية وهوياتية ومعنوية في العالم المعاصر، وهي أزمات لا توفّر النظرية الليبرالية ولا افتراضاتها الأنثروبولوجية أدوات تحليلية كافية لفهمها وتفسيرها.

3. المجتمع التوحيدي بوصفه نموذجاً بديلاً

لا تقتصر الأهمية النظرية لرسالة الإمام الخميني (قدس سره) على نقد النماذج المهيمنة، بل تكمن أيضاً في طرح أفق نظري بديل يمكن تسميته بـ«المجتمع التوحيدي». ففي هذا الإطار، لا يكون وحدة التحليل في العلاقات الدولية مجرد الدولة ـ الأمة القائمة على المصالح المادية، بل المجتمع الإنساني المتوجّه نحو الحقيقة الإلهية.

وفي هذا النموذج، تخضع مفاهيم مثل القوة والتنمية والأمن لإعادة تعريف جذرية، وتتحول من متغيرات تحليلية مستقلة إلى متغيرات تابعة للرؤية الكونية التوحيدية. وفي هذه القراءة، لا يُطرح الإسلام كأيديولوجيا منافسة إلى جانب سائر الأيديولوجيات، بل كنظرية معيارية ـ حضارية للنظام العالمي، تسعى إلى إحداث تحول في فهم الإنسان لذاته، وللدولة، ولغاية السياسة.

النتيجة

يمكن اعتبار رسالة الإمام الخميني (قدس سره) إلى غورباتشوف نصاً عابراً للنماذج السائدة، يبيّن أنّ المتغيرات المعنوية والإلهية ليست هامشية، بل تقع في صلب التحليلات الكبرى للشأن العالمي. وتفتح هذه الرسالة أفقاً لنظرية بديلة في العلاقات الدولية ما زالت مغفلة في أدبيات التيار الرئيسي لهذا العلم، في وقت تكشف فيه التحولات المعاصرة في العالم، أكثر من أي وقت مضى، عجز التفسيرات المادية الصرفة، وضرورة إعادة التفكير في الأسس النظرية للنظام الدولي.

فاطمة نكو لعل آزاد ، باحثة في العلاقات الدولية .

-----------

تعريب القسم العربي ، الشؤون الدولية . 

ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء