دروس العرفان الحقيقي في مدرسة عاشوراء

دروس العرفان الحقيقي في مدرسة عاشوراء

شايسته شريعتمداري
القيام لله فحوي‌موعظة خاطب بها الله تعالي رسوله لإبلاغها للناس: ( قل إنما اعظكم بواحدة‌أن تقوموا لله مثني‌و فرادي) (سورة سبأ،‌الآية ‌). و يتساوي هذا القيام لله وفقاً‌للرؤية الخمينية، مع مفهوم الصحوة،‌أو اليقظة، التي تعد بمثابة‌الخطوة‌الاولي في السير والسلوك الي‌الله.
أن كلام الله المجيد هذا، قد هيمن علي‌قلب الامام و روحه، وأضحي " القيام لله" بمثابة‌احد الاركان الرئيسية‌في المنظومة الفكرية لسماحته، حتي‌أنه يمكن مشاهدة معطيات ذلك في مختلف التوجهات الفكرية‌للامام الخميني السياسية والاجتماعية والعرفانية و... الخ.
ان الاستخدام السياسي – العرفاني لهذه الموعظة،‌الذي يوضح بحد ذاته المزج بين العرفان والسياسة في المنظومة الفكرية لسماحة الامام، يعتبر في غاية الاستقطاب والجاذبية، حيث يقول سماحته عن هذه الآية الشريفة: ( لقد بيّن الله سبحانه في هذه الآية الشريفة، المسيرة الانسانية من المبدأ الأول للطبيعة المظلمة حتي المنتهي ... ان هذه الكلمة تمثل طريق الاصلاح الوحيد للعالمين:‌القيام لله، الذي اوصل ابراهيم خليل الرحمن الي مقام الخلة... القيام لله هو الذي نصر موسي الكليم بعصاه علي الفراعنة وألقي‌بتيجانهم وعروشهم في مهب الريح، وهو الذي أوصله الي ميقات المحبوب... القيام لله هو الذي نصر خاتم الانبياء(ص) بمفرده،‌علي كل عادات الجاهلية وتقاليدها، وطهّر بيت الله من الاصنام وأحلّ‌محلها التوحيد والتقوي،‌وهو الذي اوصل هذه الذات المقدسة الي مقام قاب قوسين أو أدني). (صحيفة‌الامام، ج1، ص43).
ان الذي يحظي بالمزيد من الاهمية‌في عبارة (القيام لله) هو مفردة (لله)، لأنها توضح الدافع من القيام. كما أن الاهمية العرفانية لذلك تتجلي‌عن هذا الطريق في توجهات اولياء‌الله. وفي هذا الصدد يقول سماحة الامام، ملوحاً‌الي‌عبارة عقيلة بني هاشم زينب الكبري ( ما رأينا إلاّ جميلاً) :‌(ان استشهاد إنسان كامل- الحسين بن علي – يعتبر جميلاً‌من منظار أولياء الله. ليس لأنه قاتل وقُتل،‌وإنما كون القتال كان من أجل الله. القيام كان لله). (صحيفة‌الامام، ج20، ص204).
يؤمن سماحة‌الامام بأن السمة الأبرز للقيام لله تكمن في أنه لن يُهزم، ولهذا فان الشهادة‌وإن كانت تبدو في الظاهر هزيمة، إلاّ‌أنها تعتبر في الحقيقة وفي  الباطن نصراً، بل ان النصر الحقيقي يكمن في هذه الموفقية للقيام لله. يقول سماحة‌الامام:‌(من بين كل المواعظ اختار الله سبحانه وتعالي هذه الموعظة (قل إنما اعظكم بواحدة)، لأنه يكمن فيها كل شيء. كل شيء يتجلي في القيام لله. فالقيام لله يتضمن معرفة الله،‌والقيام لله يقود للتضحية من أجل الله . والقيام لله يتضمن التضحية والايثار من أجل الاسلام. كل شيء يكمن في القيام لله. ولهذا فان الموعظة‌الوحيدة التي اختارها الله تعالي من بين كل المواعظ: (أن تقوموا لله مثني‌وفرادي). القيام الفردي من أجل بلوغ معرفة الله، والقيام الجماعي لتحقيق اهداف الله). (صحيفة‌الامام، ج18، ص110).
ويلفت سماحة‌الامام الي أن دروس القيام العام للشعب الايراني وانطلاقة الثورة الاسلامية، مستوحاة من الجمع بين فحوي‌الآية الشريفة وقيام سيد الشهداء، موضحاً:
(إذا ما رأيتم دين الله في خطر، عليكم أن تقوموا لله. و ان امير المؤمنين – الامام علي – كان يري دين الله في خطر، إذ رأي‌معاوية‌يحاول تشويهه،‌فقام لله. وسيد الشهداء‌قام لله علي‌هذا النحو ايضاً. فاذا رأيتم الاسلام في خطر قوموا لله. القيام لله موعظة‌الهية‌حاضرة في كل وقت. فمتي رأيتم المناهضين للنظام الانساني الالهي،‌يحاولون تشويه احكام الاسلام باسم الاسلام، يحاولون تحجيم الاسلام واقصائه، عليكم القيام لله، ولا تترددوا قائلين:‌ربما لا نستطيع،‌ربما نهزم. فليس هناك هزيمة). (صحيفة‌الامام، ج8، ص15).
ان التركيز علي اداء الواجب دون الالتفات الي النتيجة، شكّل احد المبادئ الفكرية والعرفانية لسماحة الامام،‌الذي احتل حيزاً بارزاً‌في توجهاته القيادية خلال مرحلة النضال ضد النظام الشاهنشاهي. وأن هذا المبدأ نابع من مبدأ آخر و هو أن القيام لله لا يهزم: (‌الانسان مكلف بالقيام لله، وهو غير معني بالنتيجة سواء كانت ايجابية ام سلبية، نصر أو هزيمة، وليس لها أدني تأثير علي مبدأ القيام. المهم في جميع الاحوال هو اداء التكليف والواجب. ولهذا فان القائم لله لايعرف معني الهزيمة والنصر حليفه علي الدوام. لأن القضية‌لم تنته عند ذلك وفي هذه الدنيا، بل ثمة مكان آخر حيث هناك النصر الحقيقي).
ان هذه الرؤية وهذه الطريقة في التفكير، قد جعلت الامام يتحلي بدرجة كبيرة من القوة والشجاعة، بنحو لم يعد بوسع أية قوة – غير الله – أن تخيفه أو ترعبه. ولم يكن قلبه وقاموسه يعرف معني الخوف.
أجل، أن الايمان القلبي هذا قد منح الامام من الثقة والاصرار و المثابرة ما جعله يتخذ مواقفه بكل حزم وحسم دون أدني تردد، ولم يكن بوسع أية عقبة أن تثنيه عن متابعة‌ما يصبو اليه، و تحول دون تحقيق اهدافه.
وأثناء مراحل الثورة الخطيرة، وكلما كان يطرأ‌خطر مؤكد أو محتمل وكانوا يخبروا سماحته بالموقف أو القرار، كانوا يسمعوا من الامام: (نحن مكلفون بأداء‌الواجب). وإذا ما رغبنا بالتعرف علي جذور هذا النمط من التفكير، نجده يكمن في نهضة عاشوراء،‌وفي كلام سيد الشهداء الامام الحسين ( عليه السلام). ففي ردّه علي عبدالله بن جعفر، الذي حاول أن يثني الامام عن التوجه الي كربلاء، قال (عليه السلام):‌(شاء الله أن يراني قتيلاً).. أنه التكليف الالهي مهما كانت النتيجة.
وهذه من الدورس والعبر الالهية – العرفانية التي حفلت بها نهضة سيد الشهداء، و ألقت بظلالها وهيمنة علي كيان من تربي في مدرسة الامام الحسين و وجدت طريقها الي الثورة الاسلامية في ايران.
•اعداد وتلخيص معاونية‌الشؤون الدولية‌في مؤسسة‌تنظيم ونشر تراث الامام الخميني.




ارسل هذا الخبر الی الاصدقاء